مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد الرغبة في الغوص داخل أعماق الذاكرة الرياضية، لاستحضار لحظات شكلت الهوية الوطنية وصنعت أمجاد الكرة في مصر والقارة السمراء؛ فخلال أيام هذا الشهر الفضيل، سنكون على موعد يومي مع رحلة عبر الزمن، نستكشف فيها صفحات مجهولة وأحداثاً ملهمة من مسيرة المنتخب الوطني، حيث تروي كل حلقة قصة كفاح تكللت بالنصر، أو خطة مدرب عبقري قلبت التوقعات، أو لحظة انكسار تحولت بإرادة الرجال إلى منصة للتتويج، لتكون هذه الحكايات بمثابة زاد معنوي يعكس قيم الصبر والإصرار.

وفي طليعة هذه السير الخالدة، يبرز اسم حسين حجازي كعلامة فارقة في تاريخنا الرياضي؛ ذلك الشاب الذي تمرد على حياة الترف المتاحة له بحكم نشأته الأرستقراطية، ليختار طريقاً وعراً محفوفاً بالمغامرة، فعندما أبحر من الإسكندرية قاصداً إنجلترا في عام 1911 بدعوى دراسة الهندسة، كان في الحقيقة يحمل في قلبه مشروعاً رياضياً سيغير وجه الحياة في مصر لاحقاً، وقد أزاحت وثائق عائلية الستار عن تفاصيل دقيقة لم تكن معروفة، منها أن ميلاده الحقيقي كان عام 1889 في محافظة الشرقية، وأنه ترك خلفه زوجة وأسرة وهو في مقتبل العمر، مقدماً تضحيات شخصية جسيمة في سبيل شغفه بالساحرة المستديرة.

لم يكن حجازي في الملاعب الإنجليزية مجرد لاعب عابر، بل تحول إلى ظاهرة لفتت أنظار الصحافة البريطانية التي أطلقت عليه ألقاباً تعظيمية، وتجلى ذلك في الصراع الذي نشب بين الأندية للظفر بخدماته بعد تألقه اللافت مع نادي “دولويتش هامليت”، ثم بدايته النارية مع “فولهام” التي شهدت تسجيله هدفاً فورياً، ليقدم بذلك أوراق اعتماد الموهبة المصرية التي تملك القدرة على الإبهار والمراوغة في عقر دار كرة القدم، قبل أن تفرض ظروف الحرب العالمية الأولى عليه العودة إلى بلاده، لتبدأ مرحلة جديدة من نشر اللعبة وتوطينها.

بعد عودته، أخذ حجازي على عاتقه مهمة تأسيس ثقافة كروية حقيقية في مصر، فتنقل بين قطبي الكرة المصرية، الأهلي والزمالك، ليس تذبذباً في الولاء، بل سعياً لترسيخ مبادئ الاحتراف والروح الرياضية؛ فقد كان شخصية قيادية لا تقبل المساومة، مما أدخله في صدامات إدارية عديدة، ووصل به الاعتزاز بالنفس إلى رفض البروتوكولات الرسمية في مناسبات كبرى، وهو ما كلفه الحرمان من تمثيل بلاده أولمبياً، لكنه ظل رغم ذلك الأب الشرعي للكرة المصرية، جامعاً بين أدوار اللاعب والمدرب والإداري ليضع اللبنات الأولى لهذا الصرح الرياضي.

انتهت مسيرة حجازي داخل المستطيل الأخضر في مطلع الثلاثينيات، وعاش بعدها عقوداً في الظل حتى وفاته عام 1961، إلا أن الفصل الأخير من قصته حمل طابعاً مأساوياً، حيث تعرضت مقتنياته ومذكراته الشخصية للسرقة والضياع بعد رحيله بفترة وجيزة، مما أفقد المكتبة الرياضية كنزاً توثيقياً لا يقدر بثمن، ورغم محاولات طمس معالم سيرته أو تغيير أسماء المنشآت التي حملت اسمه، يظل حسين حجازي الرمز الذي سبق عصره، والأسطورة التي مهدت الطريق للأجيال اللاحقة لرفع اسم مصر عالياً.