يشهد الواقع الكروي في مصر حالة من الازدواجية الغريبة التي تمزج بين الرغبة في التطور وبين التمسك بأساليب إدارية عفا عليها الزمن، ففي الوقت الذي تبذل فيه جهود حثيثة للارتقاء بالمنظومة الرياضية، نجد أنفسنا أمام تصرفات من بعض الأندية تعرقل هذه المسيرة وتعيدنا إلى المربع الأول.

لقد تحول الاعتراض على التحكيم في الدوري المحلي من مجرد ملاحظات فنية إلى ظاهرة خطيرة تتمثل في محاولات الأندية فرض وصايتها على لجنة الحكام، حيث بات من المألوف أن نرى خطابات رسمية تطالب بحظر أسماء معينة ومنعهم من إدارة المباريات، بل وصل الأمر ببعض الأندية إلى المطالبة باستبعاد قوائم كاملة من الحكام دفعة واحدة، في سابقة خطيرة تجعلنا نتساءل عن مصير المسابقة إذا سُمح لكل طرف باختيار قضاته وفقاً لأهوائه الشخصية، مما يفرغ العدالة الرياضية من مضمونها.

ومن المفارقات التي تدعو للدهشة أن هذه الحملات الممنهجة ضد التحكيم المصري داخلياً تتزامن مع تقدير كبير يحظى به قضاة الملاعب المصريون على الصعيد القاري والدولي، فبينما تتعالى الأصوات المطالبة بإقصائهم محلياً، تضع الهيئات الدولية ثقتها فيهم لإدارة أصعب المواجهات في الأدوار الحاسمة بالبطولات الأفريقية، مع وجود مؤشرات قوية لتمثيل التحكيم المصري في أكبر المحافل العالمية المقبلة، مما يثبت أن الكفاءة موجودة ولكنها تفتقد للدعم والإنصاف في موطنها.

إن اللوائح المنظمة للمسابقة وضعت حلاً جذرياً وعادلاً للأندية التي لا ترغب في الاعتماد على الصافرة المصرية، وذلك عبر إتاحة الفرصة لاستقدام طواقم تحكيم أجنبية وفق شروط مالية وإدارية محددة، ومع ذلك، يختار البعض تجاهل هذا المسار القانوني الواضح واللجوء بدلاً من ذلك إلى أساليب الضغط والترهيب لإبعاد حكام محليين بأعيانهم، وهو مسلك يفتقر إلى الروح الرياضية ويحاول تفصيل العدالة بمقاسات خاصة.

لا شك أن الإصرار على تعليق شماعة الإخفاقات الفنية والإدارية على أكتاف الحكام سيؤدي إلى نتائج كارثية، أبرزها اغتيال معنويات الكوادر التحكيمية الشابة وتصدير الإحباط إليهم، فالحكم بشر معرض للخطأ، ولكن التعامل مع هذه الأخطاء يجب أن يكون في إطار النقد البناء وليس الهدم وتصفية الحسابات، لأن استمرار هذه الضغوط سيجعل من المستحيل على أي حكم أداء مهمته بتوازن وثقة.

ختاماً، لا بديل عن وقفة جادة من اتحاد الكرة لرفض هذه الإملاءات وحماية هيبة التحكيم المصري، فلا يعقل أن نضحي بكفاءات يراها العالم “نخبة” ونقوم بتهميشها محلياً إرضاءً لرغبات غير منطقية، فالخضوع لهذه الضغوط يعني ببساطة القضاء على ما تبقى من نزاهة وعدالة المنافسة.