ما إن تلوح بشائر الاحتفال بانتهاء شهر الصيام، حتى تعبق الأرجاء بتلك الروائح الزكية التي تبث الدفء في جنبات المنازل العربية والمصرية. فصناعة المخبوزات الاحتفالية ليست مجرد مهمة مطبخية، بل هي إرث اجتماعي أصيل يوقظ ذكريات الصبا ويجمع أفراد العائلة، وخاصة الأطفال، في طقس تملؤه البهجة والضحكات. وتُفضل الكثير من الأمهات إحياء هذه العادة داخل أروقة المنزل بدلاً من الاعتماد على المتاجر الجاهزة، سعياً وراء مذاق أصيل ومكونات مضمونة، فضلاً عن الجانب الاقتصادي الموفر وتعدد الأصناف التي ترضي كافة الأذواق.
وعلى رأس هذه القائمة المبهجة يتربع “الكحك” كضيف شرف لا غنى عنه، والذي تُقدم الشيف فيفي عثمان رؤية مبسطة لإعداده. تبدأ الرحلة بمزج نصف كيلوجرام من الدقيق الفاخر مع رشة ملح وملعقة كبيرة من بذور السمسم، قبل أن يُسكب فوقها كوب من السمن الساخن ليغلف كل ذرة دقيق ببراعة. وفي زاوية أخرى، تُنشط ملعقة صغيرة من الخميرة ومثلها من السكر في القليل من الماء الدافئ، لتُضاف لاحقاً إلى الخليط مع الاستمرار في العجن بالماء الدافئ حتى تتشكل كتلة لينة طيعة. تُكور العجينة وتُحشى بحسب الذوق، سواء بالملبن أو معجون التمر، ثم تودع في صوانٍ وتُدخل فرناً بدرجة حرارة معتدلة لتكتسب سُمرة خفيفة، ولا تُتوج بمسحوق السكر الناعم إلا بعد أن تفقد حرارتها تماماً.
ومن الكحك ننتقل إلى البسكويت المقرمش الذي يخطف قلوب الصغار ويسهل إنجازه في وقت قياسي. تتلخص حكايته في خفق كوب من الزبدة مع مقدار مماثل من السكر المطحون حتى يتحول المزيج إلى سحابة كريمية. بعدها، يُعزز الخليط ببيضتين وملعقة صغيرة من الفانيليا، ليأتي دور نصف كيلوجرام من الدقيق مضافاً إليه ملعقة صغيرة من مسحوق “البيكنج بودر” تدريجياً. تندمج العناصر لتصنع عجينة سلسة تمر عبر ماكينات التشكيل أو تُصاغ يدوياً لتُرسم بأشكالها المألوفة، وتُخبز لنحو ربع ساعة في حرارة متوسطة حتى تتلون بأشعة ذهبية شهية.
أما الغريبة، فتلك الحلوى بالغة النعومة التي تذوب في الفم، فلا تتطلب سوى القليل من المكونات والكثير من الرقة في التعامل. تعتمد وصفتها على دمج كوب من السمن مع آخر من السكر البودرة خفقاً مستمراً للوصول إلى قوام هش، ثم يُضاف كوبان من الدقيق مع لمسة فانيليا خفيفة وتقلب المكونات بهدوء. تُشكل هذه العجينة الرقيقة إلى حبات دائرية صغيرة الحجم، وتتزين كل حبة بنصف لوزة أو قطعة فستق في مركزها، قبل أن تُخبز على نار هادئة جداً لتحتفظ بلونها الفاتح المميز وقوامها الرقيق.
ولضمان تتويج هذه الجهود العائلية بنجاح باهر، يكمن السر في اختيار مواد خام عالية الجودة منذ البداية، مع الانتباه الشديد لمعايرة حرارة الأفران لتناسب كل صنف. الأهم من ذلك هو الصبر؛ إذ يجب ألا تُمس المخبوزات أو تُنقل من صوانيها قبل أن تبرد كلياً، لكي تحافظ على تماسكها ولا تتفتت. وأخيراً، يأتي دور التخزين السليم في عبوات محكمة الغلق، لتظل محتفظة برونقها وطزاجتها طيلة أيام العيد، ولتكتمل لوحة الفرح التي رُسمت أولى خطوطها بأيدي العائلة الملتفة حول مائدة المطبخ.
التعليقات