تزخر ذاكرة القلعة الحمراء بسجل حافل من الأمجاد والبطولات، حيث يتربع النادي الأهلي على عرش الأندية الأكثر تتويجاً في القارة السمراء ومصر، مطارداً ريال مدريد في سباق السيادة العالمية. ولا تقتصر عظمة هذا الكيان على الدروع والكؤوس فحسب، بل تمتد لتشمل قصصاً ملهمة لنجوم بذلوا الغالي والنفيس من أجل رفعة الشعار، مسطرين بجهدهم وعرقهم حكايات تتناقلها الأجيال عن الوفاء والروح القتالية التي تميز القميص الأحمر، وهي روايات بطولية يحفظها القاصي والداني عن ظهر قلب.

ومن بين هذه الفصول المضيئة، تبرز رحلة حمدي فتحي، الذي انضم إلى الكتيبة الأهلاوية في شتاء عام 2019 قادماً من نادي إنبي. لم تكن تلك الصفقة مجرد إضافة عددية، بل كانت ميلاداً لنجم استثنائي خاض بقميص الفريق أكثر من مئة وخمسين معركة كروية، جامعاً بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مما أسفر عن مساهمته في تسجيل وصناعة العديد من الأهداف، فضلاً عن تحقيقه أربعة عشر لقباً تنوعت ما بين الهيمنة المحلية على الدوري والكأس والسوبر، واعتلاء منصات التتويج القارية في دوري الأبطال والسوبر الأفريقي.

لقد تجاوز حمدي فتحي التوقعات التقليدية للاعب الوسط، حيث لم يكتفِ بكونه خليفة لمن سبقوه، بل خلق لنفسه أسلوباً متفرداً جعله “الجوكر” المفضل للأجهزة الفنية. اتسمت مسيرته بالمرونة التكتيكية المذهلة؛ فمن لاعب ارتكاز دفاعي صلب في بداية مشواره تحت قيادة المدرسة السويسرية الأولى، تحول مع المدرب الجنوب أفريقي إلى عنصر حيوي يشارك في بناء اللعب من الخطوط الخلفية كمدافع ثالث، ليمنح الفريق تفوقاً نوعياً في الخروج بالكرة وإفساد هجمات المنافسين في آن واحد.

واستمر التطور الفني للاعب ليبلغ ذروته في فترته الأخيرة، عندما تم توظيفه في أدوار هجومية متقدمة داخل وسط الملعب، حيث أظهر براعة غير متوقعة في الزيادة العددية داخل منطقة الجزاء وتهديد مرمى الخصوم، وهو ما أكد نضجه الكروي وقدرته على استيعاب مختلف الخطط الفنية. وقد اختتمت هذه المسيرة الحافلة بانتقاله إلى صفوف الوكرة القطري في صفقة مميزة أنعشت خزينة النادي، تاركاً خلفه إرثاً كبيراً من البطولات واللحظات التي لا تُنسى في ذهن المشجع الأهلاوي.