تتجسد في ليالي الشهر الفضيل روح الحنين إلى الماضي، مما يدفعنا للغوص في أعماق السجل الذهبي لكرة القدم المصرية. سنأخذكم في رحلة يومية نستلهم منها عبر الصمود والنجاح، لنروي تفاصيل بطولات وُلدت من رحم المعاناة، ونسلط الضوء على عبقرية مدربين وبسالة لاعبين حفروا اسم بلادهم بحروف من نور. إنها حكايات تتجاوز المستطيل الأخضر لتعكس إرادة شعب وتاريخ أمة تربعت على عرش اللعبة في القارة السمراء، محققة إنجازات أبكت الجماهير من فرط النشوة والاعتزاز.
بالعودة إلى الجذور، انطلقت الشرارة الأولى للتنظيم الإداري للعبة في خريف عام ألف وتسعمائة وواحد وعشرين، حينما وضع جعفر والي باشا اللبنة الأولى للكيان الكروي العريق. اتسمت تلك الحقبة المبكرة بطابع أرستقراطي، حيث تبادل والي باشا وحسين صبري باشا مقاليد القيادة، ليؤسسا معاً الهيكل الإداري للرياضة في الحقبة الملكية. ومع مطلع الثلاثينيات، تبلورت آليات الديمقراطية الرياضية باختيار والي كأول قائد عبر صناديق الاقتراع، لتمضي السفينة في مسار متأرجح بين الاستقرار والتبديل حتى أواخر الثلاثينيات.
لاحقاً، خضعت مقاليد الأمور لسيطرة شبه مطلقة من قبل محمد حيدر باشا الذي احتفظ بموقعه لسنوات طويلة، تخللتها سابقة تاريخية بتولي فؤاد سراج الدين باشا دفة القيادة عبر أول لجنة مؤقتة في تاريخ المنظومة. غير أن المشهد الكروي تبدل جذرياً مع التغيرات السياسية العميقة في منتصف القرن العشرين؛ فمع زوال العهد الملكي، انتهت حقبة حيدر باشا ليمر الاتحاد بمرحلة انتقالية قادها عبد العزيز عبد الله سالم. وسرعان ما انصهرت الرياضة بالسياسة والعمل العسكري حين تولى المشير عبد الحكيم عامر إدارة الشأن الكروي محلياً وقارياً، مما عكس ارتباطاً وثيقاً بين السلطة والرياضة استمر لسنوات عديدة.
وبمرور الزمن، آلت عجلة القيادة خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات إلى قامات رياضية فذة سطروا أمجاداً في الملاعب قبل أن ينتقلوا للإدارة، وعلى رأسهم محمد حسن حلمي ومصطفى علواني. ومع اقتراب الألفية، دخل الكيان في نفق من التخبط الإداري، حيث أصبحت اللجان المؤقتة حلاً اضطرارياً لمواجهة الأزمات كما حدث مع إبراهيم الجويني وفاروق أبو العز. توالت العواصف الإدارية في التسعينيات، إذ أطاحت العثرات في البطولات الدولية بمجالس بأكملها كما حدث مع سمير زاهر عقب كأس القارات، ليتناوب على محاولة إنقاذ الموقف شخصيات بارزة مثل يوسف الدهشوري حرب، وعبده صالح الوحش، في مشهد اتسم بالتأرجح المستمر بين آليتي الانتخاب والتعيين.
مع بزوغ فجر الألفية الجديدة ودخول عالم الاحتراف، عاشت الكرة المصرية أزهى عصورها تحت قيادة سمير زاهر، إلا أن هذا البريق انطفأ إثر كارثة ملعب بورسعيد المأساوية التي عصفت بمجلسه. انتقلت بعد ذلك عصا القيادة عبر الانتخابات إلى جمال علام، ثم إلى هاني أبو ريدة الذي انتهت ولايته باستقالة شاملة إثر تعثر المنتخب الوطني في المحفل الأفريقي عام ألفين وتسعة عشر. دفع هذا الفراغ الإداري الجهات الدولية للتدخل، فكلف الاتحاد الدولي لجاناً مؤقتة لإدارة الشؤون المحلية تعاقب عليها عمرو الجنايني وأحمد مجاهد، قبل أن تستعيد الجمعية العمومية سلطتها وتعيد جمال علام لسدة الحكم مجدداً حتى نهايات عام ألفين وأربعة وعشرين.
في المشهد الراهن، عادت عجلة الاستقرار لتدور مجدداً مع تشكيل إدارة جديدة تتولى المسؤولية للسنوات الأربع المقبلة حتى عام ألفين وثمانية وعشرين. عاد هاني أبو ريدة ليتصدر المشهد كرئيس للمنظومة، يعاونه خالد محمد علي الدرندلي في مقعد نائب الرئيس. وقد اكتمل التشكيل بنخبة من الأعضاء الذين أنيطت بهم مهمة رسم مستقبل اللعبة، وهم أحمد محمد حلمي الشريف، ومحمد محمود يونس الشربيني، ووليد عمر عبد الجواد درويش، إلى جانب مصطفى عبد الله أبو زهرة، وطارق محمد أبو العينين، ومحمد أحمد فؤاد أبو حسين، وتكتمل اللوحة بتواجد إيناس محمد علي مظهر، لتبدأ صفحة جديدة في السجل الحافل للكرة المصرية.
التعليقات