قد يظن البعض أن العناية الفائقة بالأسنان واستخدام الفرشاة والمعجون بانتظام كافٍ لضمان نفس منعش، إلا أن المفاجأة الطبية تكمن في أن المصدر الحقيقي للرائحة المزعجة قد لا يكون الفم إطلاقًا، بل يختبئ في أعماق الجهاز الهضمي. ففي كثير من الحالات التي يشتكي فيها الأشخاص من انبعثات كريهة رغم تجنبهم للأطعمة النفاذة كالثوم والتوابل، ورغم التزامهم بنظافة الفم، يكون السبب الجذري مرتبطًا باضطرابات باطنية، وتحديدًا تلك المصحوبة بشعور دائم بالامتلاء والانتفاخ.

وفي هذا السياق، يشرح الدكتور مارتن سكور أن إحدى المشكلات الشائعة وغير الملتفت إليها هي ما يُعرف بـ “الارتجاع الصامت”، حيث تتسرب أحماض المعدة صعودًا نحو المريء دون أن يشعر المريض بحرقة الصدر التقليدية التي تميز الارتجاع العادي. وتظهر علامات هذه الحالة عبر إشارات أخرى مثل تكرار التجشؤ، أو الشعور بمرارة في الحلق، أو الحاجة الدائمة لتنظيفه، وبالطبع انبعاث رائحة غير محببة. كما أن كفاءة الجهاز الهضمي تلعب دورًا محوريًا؛ فأي خلل في الحركة الدودية للأمعاء أو ضعف في التقلصات العضلية التي تدفع الطعام للأسفل، قد يؤدي إلى بقاء الطعام فترة أطول أو ارتداده، مما يخلق بيئة خصبة للروائح الكريهة.

ولا تتوقف الأسباب عند هذا الحد، إذ تلعب التوازنات البكتيرية دورًا حاسمًا؛ فالإصابة بجرثومة المعدة الحلزونية قد تكون المتهم الخفي، لا سيما إذا تزامنت الرائحة مع أعراض عسر الهضم والحموضة. كذلك، فإن ظاهرة فرط نمو البكتيريا داخل الأمعاء الدقيقة تؤدي إلى عمليات تخمير ينتج عنها غازات ذات روائح نفاذة مثل الميثان ومركبات الكبريت، والتي تتصاعد لتخرج عبر النفس. ومن الزوايا الأقل شيوعًا التي تطرق إليها الطبيب، وجود مشكلات في الأنف نفسه، مثل “التهاب الأنف الضموري”، حيث يؤدي جفاف وترقق الأغشية المبطنة للأنف -غالبًا بعد جراحات سابقة أو إفراط في استخدام بخاخات الكورتيزون- إلى تراكم بكتيريا تفرز روائح منفرة.

وبناءً على ذلك، يرى الدكتور سكور أن اللجوء لاختبارات حساسية الطعام بشكل عشوائي ليس هو الحل الأمثل، بل ينصح بضرورة إجراء تقييم طبي شامل دون خجل. تشمل الخطوات العملية زيارة الطبيب لإجراء فحوصات دقيقة، أبرزها التحقق من وجود جرثومة المعدة، وقياس مستويات فيتامين B12، وعمل فحص عام لكفاءة الجهاز الهضمي لتحديد السبب بدقة وعلاجه.

وفي سياق طبي آخر يتعلق بالأعراض الخفية، نبه الدكتور سكور إلى ظاهرة مقلقة قد تصيب كبار السن، تتمثل في نوبات مفاجئة من الرعشة والبرد الشديد حتى في الأجواء الحارة. وأوضح أن هذه الرجفة القوية ليست مجرد شعور عابر، بل قد تكون جرس إنذار لعدوى كامنة في الجسم لا تظهر لها أعراض تقليدية، مثل التهابات المسالك البولية، أو مشكلات في البروستاتا، أو حتى التهابات خفية في المرارة أو صمامات القلب، مما يستدعي الانتباه الطبي الفوري.