مع حلول ليالي الشهر الكريم، تستيقظ في الذاكرة مشاعر الحنين إلى تلك اللحظات التي شكلت جزءاً أصيلاً من الوجدان المصري، حيث تتلاقى روحانيات الأيام المباركة مع أمجاد كروية محفورة في القلوب. فتاريخ الكرة المصرية ليس مجرد أرقام وكؤوس، بل هو سلسلة من الملاحم الإنسانية التي امتزجت فيها العزيمة بالأمل، وقصص أبطال تحدوا المستحيل لرفع راية بلادهم. وعبر رحلة يومية ممتدة، سنقلب معاً صفحات من نور، نستعيد فيها مواقف خالدة لمدربين صنعوا المعجزات، ولاعبين تحولوا إلى أساطير، ولحظات فارقة حولت انكسار الجماهير إلى أفراح عارمة، لنستلهم من صبرهم وكفاحهم معاني تليق بروحانية هذا الشهر.
وفي مقدمة تلك الذكريات التي تأبى النسيان، تبرز ليلة الثامن من أكتوبر لعام 2017 كعلامة فارقة في تاريخ الرياضة المصرية الحديث، حينما تحول ملعب برج العرب إلى مسرح لحدث طال انتظاره. فبعد سنوات عجاف امتدت لثمانية وعشرين عاماً، ذاق فيها الجمهور مرارة الغياب عن العرس العالمي منذ مونديال إيطاليا 1990، جاءت تلك الأمسية لتكسر حاجز الزمن، وتعلن عن فجر جديد يعيد “الفراعنة” إلى مكانتهم المستحقة بين كبار اللعبة في مونديال روسيا، منهيةً بذلك عقدة لازمت أجيالاً متعاقبة.
لم يكن طريق العودة مفروشاً بالورود، بل جاء عبر سيناريو درامي حبس الأنفاس وكاد أن يوقف القلوب؛ فبعد أن اقترب الحلم، هبطت صاعقة التعادل من الضيف الكونغولي في الأمتار الأخيرة للمباراة، ليخيم وجوم ثقيل وصمت قاتل على ملايين المصريين الذين استشعروا ضياع الأمل مرة أخرى. ولكن، لأن المستحيل كلمة لا تعرفها الإرادة المصرية، جاء الإنصاف القدرى في الوقت بدل الضائع باحتساب ركلة جزاء كانت بمثابة طوق النجاة لآمال أمة بأكملها.
وفي مشهد مهيب، حمل النجم محمد صلاح على عاتقه أحلام مئة مليون مواطن، متقدماً لتسديد الكرة بأعصاب فولاذية وتصميم لا يلين. وبمجرد أن عانقت الكرة الشباك، انفجر بركان من الفرح الهستيري الذي زلزل أرجاء البلاد، ماسحاً دموع القلق ومستبدلاً إياها بدموع النصر والفخر. تلك اللحظة لم تكن مجرد هدف في مباراة، بل كانت إعلاناً عن وحدة شعب التف حول رايته، وبرهاناً عملياً على أن الصبر والمثابرة هما مفتاح تحقيق الأحلام، مهما طال ليل الانتظار.
التعليقات