يُعد الفهم العميق للدوافع البيولوجية وراء تغير لون الجلد هو حجر الزاوية للتمكن من الحفاظ على نضارة البشرة والوقاية من التصبغات؛ إذ إن ظاهرة فرط التصبغ وتراكم الميلانين ليست عشوائية، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل داخلية وخارجية متعددة. وفي مقدمة هذه العوامل تأتي الطبيعة الوراثية للفرد، حيث يحمل الحمض النووي الشفرة الخاصة التي تحدد كثافة الخلايا الصبغية ومدى حساسيتها واستجابتها للمؤثرات، مما يجعل قابلية اكتساب اللون الداكن أو ظهور البقع متفاوتة من شخص لآخر بناءً على جيناته.

وبالنظر إلى المؤثرات البيئية، تلعب الشمس دور المحفز الأقوى، حيث تدفع الأشعة فوق البنفسجية الجلد إلى تفعيل آلية دفاعية تتمثل في ضخ المزيد من الصبغة لحماية المادة الوراثية في الخلايا، مما يعني أن التعرض المستمر والمكثف لضوء الشمس يؤدي حتمًا إلى اسمرار البشرة وظهور التصبغات. وإلى جانب ذلك، قد يأتي التأثير من مصادر طبية، حيث تمتلك بعض العقاقير، بما في ذلك أنواع من المضادات الحيوية وحبوب منع الحمل، آثارًا جانبية تنشط الخلايا الملونة، مما يؤدي إلى ما يُعرف بالتصبغ الدوائي.

علاوة على ذلك، تتفاعل البشرة مع الإصابات والالتهابات بطريقة تترك أثرًا طويل الأمد؛ فعندما يتعافى الجلد من الحروق، أو حب الشباب، أو حتى التهيج الناتج عن مواد كيميائية، تقوم الخلايا بإفراز صبغة زائدة كجزء من عملية الالتئام، مما يخلف بقعًا داكنة تظل واضحة حتى بعد شفاء الالتهاب الأصلي. وتتضافر هذه الأسباب مع الاضطرابات الهرمونية التي يمر بها الجسم، سواء في مراحل البلوغ أو الحمل أو انقطاع الطمث، حيث تؤدي تقلبات الاستروجين والهرمونات الأخرى إلى تحفيز إنتاج الميلانين، وهو السبب الرئيسي وراء ظهور الكلف.

ومع التقدم في السن، تخضع البشرة لتغيرات فسيولوجية تؤثر على توزيع اللون؛ فعلى الرغم من انخفاض العدد الكلي للخلايا الصبغية، إلا أن الخلايا المتبقية تصبح أكثر نشاطًا وتتجمع في بؤر محددة، مما يسفر عن ظهور “بقع الشيخوخة” بوضوح في المناطق التي تعرضت للشمس لسنوات طويلة. وأخيرًا، قد يكون تغير لون الجلد انعكاسًا لحالة صحية داخلية، حيث تتسبب بعض الأمراض المزمنة واضطرابات الغدد الصماء، مثل مشاكل الغدة الدرقية وداء السكري ومرض أديسون، في زيادة الهرمونات المحفزة للصبغة، مما يؤدي إلى دكانة الجلد والأغشية المخاطية كعرض مرضي مصاحب.