تشير الأدلة العلمية الحديثة إلى وجود ارتباط وثيق بين صحة الجسد وسلامة العقل، حيث توصلت الأبحاث إلى أن التخلص من الوزن الزائد وضبط مستويات ضغط الدم قد يشكلان طوق نجاة للوقاية من تدهور القدرات الذهنية في المستقبل، مما يعني إمكانية تفادي ملايين الإصابات بالأمراض العصبية المرتبطة بالتقدم في العمر.

وفي سياق البحث عن جذور هذه المشكلة، كشفت دراسة موسعة قادتها جامعة بريستول البريطانية عن وجود صلة سببية مؤكدة بين ارتفاع مؤشر كتلة الجسم والإصابة بما يُعرف بالخرف الوعائي؛ وهو نوع شائع من التدهور العقلي ينجم عن قصور في تروية الدماغ بالدماء، مما يتسبب في تلف الخلايا العصبية وموتها تدريجيًا نتيجة لضيق الأوعية الدموية الدقيقة أو الانسدادات التي قد تؤدي لجلطات.

واستندت النتائج التي نُشرت في إحدى الدوريات المتخصصة في الغدد الصماء والتمثيل الغذائي، إلى تحليل دقيق لبيانات نصف مليون شخص موزعين بين المملكة المتحدة والدنمارك، حيث اعتمد الفريق العلمي على تقنيات تحليل وراثي متطورة لعزل العوامل الجينية المرتبطة بالسمنة عن المؤثرات الخارجية الأخرى كالتدخين ونوعية الغذاء، وقد أثبتت التحليلات أن الأشخاص الذين يحملون استعدادًا وراثيًا لزيادة الوزن يواجهون خطرًا أكبر للإصابة، وأن ربع هذا الخطر يعود سببه الأساسي إلى مشاكل ارتفاع ضغط الدم.

ويرى المتخصصون في طب الشيخوخة المشاركون في الدراسة أن التعامل مع السمنة وضغط الدم لم يعد مجرد إجراء لتحسين الصحة العامة، بل هو تدخل علاجي مباشر لحماية الدماغ، حيث أكدوا أن هذين العاملين هما مسببات حقيقية للمرض وليسا مجرد مؤشرات خطر، مما يفتح الباب واسعًا أمام استراتيجيات وقائية فعالة في ظل ندرة العلاجات المتاحة حاليًا لحالات الخرف التي تتجاوز 50 مليون حالة حول العالم.

وتزداد الحاجة ملحة لهذه التدابير الوقائية مع تصاعد الأرقام المقلقة، إذ يُصنف قطاع كبير من سكان الدول المتقدمة مثل بريطانيا ضمن فئة الوزن الزائد، بينما يُتوقع أن تتضاعف أعداد المصابين بالتدهور العقلي خلال العقود القادمة لتصل إلى مستويات قياسية بحلول عام 2040 في المملكة المتحدة و2060 في الولايات المتحدة، لا سيما وأن الخرف الوعائي يحتل المرتبة الثانية من حيث الشيوع بعد مرض ألزهايمر.

وفيما يتعلق بالحلول الدوائية الحديثة، أبدى الباحثون تحفظهم بشأن الاعتماد الكلي على حقن إنقاص الوزن الشهيرة كوسيلة للوقاية من هذا المرض، مشيرين إلى أن فاعليتها في حماية الدماغ لا تزال غير مثبتة بشكل قاطع، خاصة إذا تم اللجوء إليها في مراحل متأخرة بعد بدء تراجع القدرات الإدراكية، مشددين على أن التدخل المبكر لضبط الوزن يظل الوسيلة الأنجع والأكثر ضمانًا لتقليل المخاطر.