في سابقة تاريخية تنذر بالخطر، قرر القائمون على “نشرة علماء الذرة” تقليص الفاصل الزمني الذي يفصل العالم عن لحظة “منتصف الليل” الرمزية ليصبح 85 ثانية فقط، وهو التوقيت الأقرب إلى الكارثة منذ إطلاق هذه المبادرة. تعبر هذه الخطوة عن تصاعد غير مسبوق في مخاوف المجتمع العلمي الدولي تجاه المصير المجهول الذي يتربص بالبشرية، مؤكدة أن الأخطار الوجودية لم تعد مجرد فرضيات بعيدة، بل أصبحت واقعاً ملحاً يهدد استقرار الكوكب.

منذ تأسيس هذه الساعة عام 1947 بمشاركة نخبة من العلماء، في مقدمتهم ألبرت أينشتاين وجي روبرت أوبنهايمر، لم تقترب عقاربها من نقطة النهاية بهذا القدر كما يحدث اليوم. وتُعد هذه الأداة بمثابة مؤشر بياني يقيس احتمالية فناء الحضارة الإنسانية بأيدي البشر أنفسهم، سواء كان ذلك نتيجة لاندلاع حرب نووية شاملة أو بسبب التبعات الكارثية للتغير المناخي، مما يضع العالم بأسره أمام مسؤوليات جسيمة لتدارك الموقف قبل فوات الأوان.

يستند هذا التحديث السنوي إلى تحليلات معمقة يجريها خبراء متخصصون في مجالات الطاقة النووية، والمناخ، والأمن الدولي، والتكنولوجيا. وقد خلصت تقييماتهم الأخيرة إلى أن السلوكيات العدائية والتوتر المتنامي بين القوى النووية الكبرى، وتحديداً بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، تشكل المحرك الرئيس لهذا الخطر الداهم، حيث ترفع هذه الأجواء المشحونة من احتمالية الانزلاق نحو مواجهات عسكرية واسعة النطاق قد تخرج عن السيطرة.

علاوة على ذلك، تلعب بؤر الصراع المشتعلة في مناطق مثل أوكرانيا والشرق الأوسط دوراً محورياً في زعزعة الأمن العالمي، إذ تزيد من مخاطر سوء التقدير العسكري والسياسي. ولا يقتصر التهديد على الجوانب العسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل الأزمات البيئية المتفاقمة؛ حيث يرى العلماء أن الاحتباس الحراري يمثل خطراً وجودياً طويل الأمد يهدد الموارد الغذائية والمائية، يضاف إليه التطور المتسارع وغير المنضبط لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي قد تُستخدم بطرق تهدد المجتمعات والأنظمة في ظل غياب التشريعات الرادعة.

إن تتبع حركة الساعة خلال السنوات القليلة الماضية يكشف عن مسار مقلق للغاية، حيث تآكل الوقت المتبقي تدريجياً من 100 ثانية وصولاً إلى الوضع الحالي الحرج. هذا التسلسل الزمني يحمل في طياته رسالة تحذير صارمة لقادة العالم وصناع القرار، مفادها أن الوقت المتاح للمعالجة يوشك على النفاد، وأن التحرك الجماعي الفوري لتهدئة التوترات الدولية ومواجهة التحديات المناخية والتكنولوجية بات خياراً حتمياً لضمان بقاء البشرية.