يُعد ألم الرأس من أكثر الظواهر الصحية التي يواجهها البشر شيوعاً، ويمكن تصنيف هذه الآلام بشكل عام إلى فئتين أساسيتين؛ الأولى هي تلك التي تنشأ بذاتها دون وجود مرض آخر مسبب لها، وتُعرف بالنوع الأولي، بينما الفئة الثانية تكون بمثابة عرض جانبي لمشكلة صحية أعمق مثل الالتهابات أو الإصابات الجسدية. وبينما يندرج تحت النوع الأول حالات معروفة مثل الصداع النصفي وصداع التوتر، فإن النوع الثانوي قد ينجم عن طيف واسع من الأسباب يتراوح بين العدوى الفيروسية واضطرابات الأوعية الدموية، وصولاً إلى الحالات المرتبطة بالصحة النفسية.

تختلف طبيعة الألم ومسبباته باختلاف موقعه في الرأس؛ فعندما يتركز الوجع في جانب واحد فقط، غالباً ما يشير ذلك إلى “الشقيقة” أو الصداع النصفي، الذي يتسم بنبضات مؤلمة قد يفاقمها الإجهاد أو التغيرات الهرمونية والجوية، وتستمر نوباتها لفترات متفاوتة. وفي حالات أندر، قد يكون الألم حاداً وثاقباً حول عين واحدة، مصحوباً بدمع أو احتقان، وهو ما يميز الصداع العنقودي الذي يباغت المصاب فجأة. أما إذا كان الألم ينبع من المنطقة الخلفية للرأس، فقد يكون مصدره الحقيقي هو فقرات الرقبة أو العمود الفقري نتيجة لالتهابات أو مشاكل هيكلية، وقد ينجم أيضاً عن تهيج الأعصاب القذالية الممتدة من الرقبة إلى فروة الرأس، مسببة آلاماً تشبه الصدمات الكهربائية.

وبالانتقال إلى مقدمة الرأس، تتعدد الأسباب وتتنوع؛ فالتهاب الجيوب الأنفية يُحدث ضغطاً مزعجاً في الجبهة والوجنتين يزداد عند الانحناء، بينما يؤدي تناول المثلجات بسرعة إلى انقباض مفاجئ ومؤلم للأوعية الدموية يُعرف بتجمد الدماغ. كما أن الإجهاد البصري الناتج عن التركيز الطويل يولد ألماً خفيفاً يستدعي فحص النظر. وفي سياق أكثر جدية، قد يعاني كبار السن من التهاب الشرايين الصدغية، الذي يظهر كألم نابض مستمر على جانبي الجبهة مع أعراض أخرى مثل ألم الفك ومشاكل الرؤية، مما يتطلب تدخلاً طبياً.

وعندما يشعر الشخص وكأن حزاماً ضيقاً يلتف حول رأسه بالكامل، فهذا عادة ما يكون صداع التوتر، وهو الأكثر انتشاراً بين البالغين، وينتج غالباً عن الإرهاق وتشنج العضلات. كذلك، قد يؤدي المجهود البدني العنيف إلى نوبات ألم قصيرة الأمد. ومع ذلك، يجب الحذر من الألم الذي يضرب الرأس فجأة وبقوة هائلة تشبه الرعد، فقد يكون نذيراً لحالات طارئة مثل النزيف الداخلي. وعلى الرغم من ندرة أورام الدماغ كمسبب للصداع، إلا أن الألم المتزايد المصحوب بتشوش ذهني أو خدر يستوجب استشارة الطبيب. أخيراً، إذا ترافق ألم الرأس الشديد مع تيبس في الرقبة وحمى وارتباك، فقد تكون هذه علامات على التهاب السحايا، وهي حالة طارئة تستدعي التوجه الفوري للمستشفى لتلقي الرعاية اللازمة.