يشكل سرطان الثدي تحدياً صحياً متزايداً على مستوى العالم، حيث تشير التوقعات إلى احتمالية بلوغ الإصابات السنوية نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون حالة بحلول منتصف القرن الحالي، بزيادة تقارب الثلث عن المعدلات الحالية التي تسجل عشرات الآلاف من الإصابات سنوياً في بعض الدول. في ظل هذا الانتشار الواسع، برزت بارقة أمل جديدة عبر دراسة حديثة أجراها فريق علمي في لاتفيا، تسلط الضوء على وسيلة وقائية في غاية البساطة. فقد أظهرت النتائج أن التزام النساء، تحديداً في المرحلة التي تسبق انقطاع الطمث، برياضة المشي لنصف ساعة كل يوم، يلعب دوراً محورياً في درء خطر الإصابة بهذا المرض الخبيث.
وتكمن الآلية البيولوجية وراء هذا التأثير الوقائي في تفاعل كيميائي يحدث داخل الجسم أثناء النشاط الحركي. فبمجرد بذل مجهود بدني، تبدأ العضلات بضخ بروتينات معينة تُعرف بـ “المايوكينات” في مجرى الدم، وهي مركبات تتمتع بقدرة فائقة على محاربة الأورام. المثير للاهتمام أن التحاليل المخبرية التي أُجريت على واحد من أشرس أنواع الأورام، والذي يمثل خُمس إجمالي الإصابات تقريباً، أثبتت أن هذه البروتينات تنجح بفعالية في كبح التكاثر السريع للخلايا المريضة. ولا يتطلب الأمر مجهوداً شاقاً لبدء هذه العملية الدفاعية؛ إذ يكفي السير بخطوات هادئة لمدة ثلاثين دقيقة لإحداث تغييرات دموية إيجابية تعرقل نمو السرطان، بينما يؤدي رفع وتيرة المجهود وتمديد وقته قليلاً إلى مضاعفة هذه الدفاعات الطبيعية بشكل ملحوظ.
وفي هذا السياق، تؤكد الرؤية العلمية للباحثين المشاركين في الدراسة أن سر النجاح يكمن في المواظبة والاستمرارية. فالانتظام في تحريك الجسم، ولو عبر نشاط يومي يسير كالمشي مع تسريع الخطوات تدريجياً، يضمن بقاء الدم مشبعاً بتلك العناصر المضادة للسرطان، مما يعزز الحصانة الذاتية للمرأة. ولتحقيق أقصى استفادة ممكنة، تتوافق هذه النتيجة مع التوجيهات الصحية العالمية التي تنصح بتخصيص مئة وخمسين دقيقة أسبوعياً للأنشطة البدنية المعتدلة، أو نصف تلك المدة للتمارين القوية. وعبر توزيع هذا الوقت بمعدل نصف ساعة يومياً على مدار خمسة أيام في الأسبوع، تضمن المرأة بناء درع واقٍ ومستدام يحمي خلاياها، ويحول ممارسة رياضية بسيطة إلى خط دفاع أول ومتين ضد الأمراض المستعصية.
التعليقات