كشفت نتائج بحثية حديثة صادرة عن جامعة نيوكاسل أن تخصيص وقت قصير للغاية للنشاط البدني، لا يتجاوز عشر دقائق، قد يكون له مفعول السحر في كبح جماح سرطان القولون وتعزيز قدرة الخلايا على ترميم حمضها النووي، وهو ما يمثل بارقة أمل جديدة في فهمنا لآليات مقاومة هذا المرض. ولا يتوقف تأثير هذا الجهد البدني المكثف عند حدود العضلات، بل يمتد لإحداث تغييرات فورية وعميقة في التركيبة الجزيئة للدم، تعمل بفاعلية على إبطاء وتيرة تطور الأورام، حتى وإن كانت التفاصيل الدقيقة لهذه العملية البيولوجية لا تزال قيد البحث والاستكشاف.

وتكتسب هذه النتائج أهمية قصوى في ظل الواقع الصحي المقلق، حيث تشير الإحصاءات في بريطانيا إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات سنويًا، مما يضع سرطان القولون في المرتبة الرابعة ضمن قائمة الأورام الأكثر انتشارًا. وما يثير المخاوف بشكل أكبر هو التحول الديموغرافي للمرض؛ إذ لوحظت قفزة كبيرة في معدلات الإصابة بين الفئات الشابة ومن هم دون الخمسين عامًا خلال العقود الثلاثة الماضية، على الرغم من استقرار الأرقام بين كبار السن. ولا يغيب عن الأذهان قصة الكفاح التي خاضتها الإعلامية ديبورا جيمس، التي رحلت في ريعان شبابها بعد أن ساهمت بشكل استثنائي في التوعية بالمرض وجمع تبرعات ضخمة لدعم الأبحاث العلمية.

وفي تفاصيل التجربة العملية التي قادها الباحثون، تم الاعتماد على مجموعة من الرجال الذين يتمتعون بصحة عامة جيدة رغم معاناتهم من السمنة، حيث طُلب منهم ركوب الدراجات الثابتة وبذل مجهود مكثف لفترة وجيزة. وقد أثبتت التحليلات المعملية أن الدماء التي تم سحبها من المشاركين عقب المجهود البدني مباشرة، تحولت إلى بيئة مقاومة للأورام عند تعريض خلايا سرطان القولون لها؛ إذ رصد العلماء ارتفاعًا ملحوظًا في مستويات بروتينات معينة، وانخفاضًا في مؤشرات الالتهاب، مما أدى إلى تحفيز الجينات المسؤولة عن إصلاح التلف الخلوي وتعطيل تلك التي تغذي نمو السرطان.

ويرى الدكتور سام أورانج، المشرف على الدراسة، أن هذه الاكتشافات تعيد تعريف فهمنا للرياضة؛ فهي ليست مجرد نشاط بدني، بل هي رسالة كيميائية قوية تنتقل عبر الدم لتصل إلى عمق الخلايا السرطانية وتؤثر في سلوكها الجيني. ويأمل الفريق البحثي أن تمهد هذه النتائج الطريق لابتكار عقاقير طبية تحاكي هذا الأثر البيولوجي للرياضة، مما يعزز فرص الشفاء للمرضى في المستقبل. وتتكامل هذه الرؤية مع أدلة دولية واسعة النطاق تشير إلى أن الالتزام بنمط حياة نشط يقلل بشكل ملموس من مخاطر الوفاة بالمرض، وتنافس فاعلية بعض الأدوية، مع التشديد على ضرورة تعديل النمط الغذائي بالتركيز على الألياف وتقليل اللحوم المصنعة والابتعاد عن التدخين كإجراءات وقائية ضرورية.