تشهد الأوساط الطبية حول العالم حالة من الاستنفار بسبب تغيرات مقلقة في خارطة الإصابة بالأورام الخبيثة، حيث لم يعد سرطان القولون مرضاً يقتصر على كبار السن كما كان متعارفاً عليه سابقاً. وقد تجلى هذا الواقع الجديد بوضوح من خلال إصابة شخصيات عامة في مقتبل العمر، مثل الممثل جيمس فان دير بيك الذي واجه المرض في أواخر الأربعينيات، والراحلة ديبورا جيمس التي فقدت حياتها بسببه وهي في الأربعين، مما سلط الضوء على خطورة الموقف بالنسبة للأجيال الشابة.
وتكشف البيانات الإحصائية الحديثة عن تحول جذري في مسار المرض، إذ بات الشباب في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، يواجهون احتمالاً للإصابة يفوق بنسبة 50% ما كان عليه الحال في حقبة التسعينيات. ولمواجهة هذا اللغز الطبي، انطلقت مشاريع بحثية ضخمة، منها مبادرة “Prospect” التي تقودها البروفيسورة سارة بيري من كلية “كينغز لندن”، والتي تخصصت في مراقبة آلاف الشباب الأصحاء وتحليل بياناتهم الوراثية وأنماط معيشتهم بدقة، بهدف كشف “المحفزات الخفية” التي تؤدي إلى ظهور المرض في سن مبكرة.
ويرى الخبراء بصيص أمل وسط هذه الأرقام، حيث تؤكد الدراسات أن أكثر من نصف الحالات يمكن تجنبها تماماً عبر تعديلات سلوكية وغذائية، فالنظام الغذائي الحديث يبدو المتهم الأول في هذه الزيادة. وتتصدر اللحوم المعالجة كالسجق واللحوم الباردة قائمة الخطر؛ نظراً لاحتوائها على مركبات النترات الحافظة التي ترفع احتمالية الإصابة بشكل ملموس حتى مع تناول كميات قليلة منها يومياً. ولا يقل الخطر عند الحديث عن السكريات السائلة، حيث أثبتت الأبحاث أن الإفراط في المشروبات الغازية والعصائر المحلاة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتضاعف فرص الإصابة لدى صغار السن مقارنة بمن يستهلكونها بِنُدرة.
وفي السياق ذاته، تحذر الأبحاث من الأطعمة فائقة المعالجة التي باتت تشكل جزءاً كبيراً من المائدة اليومية، بما تحتويه من مستحلبات ومواد كيميائية قد تسبب تهيجاً مزمناً لبطانة الأمعاء. ويقابل هذا الإفراط في المعالجة نقص حاد في تناول الألياف الطبيعية، التي تلعب دوراً حيوياً في تنظيف الجهاز الهضمي وتقليل فترة بقاء السموم داخل الجسم، إلا أن الغالبية العظمى من الناس لا يحصلون على الحصة اليومية الكافية منها. كما يلعب الكحول دوراً سلبياً، خاصة عند تناوله دون طعام، مما يضاعف الضرر على الأنسجة الداخلية.
ولا تقتصر العوامل على الغذاء فحسب، بل تمتد لتشمل نمط الحياة والحالة الصحية العامة؛ فالأشخاص الذين يعانون من التهابات معوية مزمنة مثل داء “كرون” يكونون أكثر عرضة للخطر بنسب هائلة نتيجة الالتهاب المستمر. وتفاقم الحياة الخاملة من هذه المخاطر، حيث يرتبط الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات والمكاتب بزيادة ملحوظة في معدلات الإصابة، لكونه يمهد الطريق للسمنة واضطرابات التمثيل الغذائي. وبناءً على ذلك، يجمع العلماء على أن الوقاية تكمن في العودة إلى البساطة: تقليل الأغذية المصنعة، زيادة الحركة، والاعتماد على الغذاء النباتي الغني بالألياف، معتبرين أن فهم هذه الأسباب هو الخطوة الأولى نحو كبح جماح هذا التزايد المقلق بين الشباب.
التعليقات