استهلت العاصمة اليابانية طوكيو عامها الجديد بحدث اقتصادي وثقافي لافت، حيث توجهت أنظار العالم صوب سوق “تويوسو” العريق لمتابعة أولى مزادات الأسماك لعام 2026. وقد شهدت هذه الفعالية صفقة تاريخية حطمت كافة التوقعات، تمثلت في بيع سمكة تونة زرقاء الزعانف عملاقة بمبلغ فلكي وصل إلى 510 ملايين ين، وهو ما يعادل قرابة 3.2 مليون دولار أمريكي (حوالي 151 مليون جنيه مصري)، لتسطر بذلك فصلًا جديدًا في تاريخ المبيعات القياسية للأغذية البحرية في اليابان.

وكانت المنافسة على أشدها للظفر بهذا الصيد الثمين الذي بلغ وزنه 243 كيلوجرامًا، حيث تبارى كبار تجار الأسماك وأقطاب الطهي للفوز بالغنيمة، إلا أن الكلمة الأخيرة كانت لرجل الأعمال الشهير “كيوشي كيمورا”، الذي يدير إمبراطورية مطاعم “سوشي زانماي”. وبهذا الفوز، لم يكتفِ الرجل الملقب بـ”ملك التونة” بحسم الصفقة لصالحه، بل نجح أيضًا في كسر رقمه القياسي الشخصي الذي سجله قبل سبع سنوات، حينما دفع في عام 2019 مبلغًا ضخمًا قُدر بـ 334 مليون ين، ليؤكد مجددًا هيمنته على مزادات العام الجديد.

وقد خيمت طقوس احترافية دقيقة على أجواء السوق قبل بزوغ الفجر، حيث اصطفت الأسماك العملاقة كأنها طوربيدات بحرية، بينما انهمك المشترون في فحص جودة اللحوم عبر شق ذيولها، مستعينين بمصابيح صغيرة ونظرات ثاقبة لتقييم اللون وملمس الدهون. ومع دقات الجرس التقليدي، تحول الصمت والترقب إلى معركة أسعار سريعة وحاسمة، عكست المكانة الرمزية لهذه الأسماك في المطبخ الياباني، خاصة تلك القادمة من مياه “أوما” الشمالية المعروفة عالميًا بجودة مصايدها.

وعقب انتهاء المزاد، ظهر كيمورا بابتسامة عريضة أمام وسائل الإعلام، مشيرًا إلى أن السعر قفز بشكل متسارع فاق توقعاته ورغباته الأولية، لكنه أكد أن سحر الجودة العالية للسمكة جعله عاجزًا عن التراجع، واعدًا زبائنه بتجربة تذوق فريدة. ويأتي هذا البذخ في الإنفاق كجزء من تقاليد “مزاد السنة الجديدة”، حيث يعتبر التجار أن الفوز بأول سمكة عملاقة يعد بمثابة دعاية قوية وفأل حسن للأعمال، مما يبرر ارتفاع سعر الكيلوجرام الواحد إلى أرقام خيالية.

وعلى هامش هذا الزخم التجاري، تبرز قضية الاستدامة البيئية، إذ عانت التونة زرقاء الزعانف لفترات طويلة من خطر الانقراض جراء الصيد المفرط وتغير المناخ. ومع ذلك، تشير التقارير الحديثة إلى بدء تعافي أعدادها في المحيطات بفضل السياسات الصارمة وجهود الحماية الدولية، مما يمنح أملًا باستمرار هذا التراث الثقافي والاقتصادي الذي يحول سمكة واحدة إلى حدث عالمي تتناقله وكالات الأنباء.