تحتفظ ذاكرة الكرة المصرية بتاريخ لا ينسى، وتحديداً ذلك اليوم المشهود في شهر مايو من عام 2003، الذي شهد واحدة من أكثر التحولات إثارة وجنوناً في سباق الفوز باللقب المحلي. لم تكن مجرد جولة ختامية عادية، بل كانت لحظة فارقة جمعت بين قسوة السقوط المفاجئ ونشوة الانتصار غير المتوقع، ليرتبط هذا اليوم في الأذهان باسم اللاعب الذي غير مسار البطولة برأسيته الشهيرة، في واقعة نادراً ما يجود الزمان بمثلها.
كانت الأجواء قبل انطلاق الصافرة توحي بأن الحسم قد تم بالفعل، حيث اكتسى “استاد الكلية الحربية” باللون الأحمر استعداداً لتتويج بدا مضموناً للنادي الأهلي، الذي كان يحتاج فقط لتجاوز عقبة فريق “إنبي” الصاعد حديثاً للأضواء. سادت حالة من الثقة المفرطة بين الجماهير واللاعبين، واعتبر الجميع أن المباراة مجرد احتفالية بروتوكولية لاستلام الدرع، في ظل تصدر الفريق للترتيب واقترابه من منصة التتويج، بينما كانت الأنظار تتجه بشكل هامشي نحو المباراة الأخرى التي يخوضها الغريم التقليدي.
لكن كرة القدم أبت إلا أن تفرض أحكامها القاسية، ففي لحظة مباغتة خلال الشوط الأول، انقلبت الموازين رأساً على عقب عندما ارتقى “سيد عبد النعيم” لعرضية متقنة ليودعها في شباك الحارس عصام الحضري. نزل هذا الهدف كالصاعقة على المدرجات التي كان يملؤها الصخب، ليحل محل الهتافات صمت مطبق وذهول تام، بينما تحولت مجريات الأمور في الجهة المقابلة باستاد القاهرة، حيث كان الزمالك يتقدم على الإسماعيلي وتتلقى جماهيره الأنباء القادمة من الملعب الآخر بمزيج من عدم التصديق والفرحة الهيستيرية.
تحولت الدقائق المتبقية من المباراة إلى صراع نفسي وعصبي رهيب، حيث شن الفريق الأحمر هجوماً ضارياً في محاولة لتدارك الموقف، إلا أن سوء الطالع واستبسال دفاع الفريق البترولي ومن خلفهم الحارس مصطفى كمال وقفوا سداً منيعاً أمام كل المحاولات. ضاعت الفرص الواحدة تلو الأخرى، وتكسرت آمال العودة على أقدام المدافعين وعارضة المرمى، ليقف المدرب الهولندي “بونفرير” عاجزاً أمام تكتيك المخضرم الراحل “طه بصري” الذي أدار المباراة ببراعة.
مع إطلاق صافرة النهاية، اكتملت فصول الدراما الواقعية؛ فبينما خيم الحزن والانكسار على لاعبي الأهلي في ملعبهم، انطلقت احتفالات صاخبة في المعسكر الأبيض. ومن المفارقات التي خلدتها تلك الليلة، أن درع الدوري الذي كان متواجداً بالفعل في استاد الكلية الحربية استعداداً لتسليمه للأهلي، اضطر المسؤولون لنقله على وجه السرعة في سيارة عادية مخترقاً شوارع القاهرة ليصل إلى مقر نادي الزمالك في ميت عقبة، معلناً تتويج الفريق الأبيض بلقب جاء من بعيد في سيناريو هو الأغرب في تاريخ المسابقة.
التعليقات