في غمرة الحب الفياض الذي تكنّه الأمهات لفلذات أكبادهن، قد تتسلل بعض التصرفات العفوية التي تحمل في طياتها تأثيرات عكسية غير مقصودة على تكوين شخصية الصغير. فالدافع الفطري لحماية الطفل وإسعاده قد يتحول أحيانًا إلى عائق أمام نموه النفسي واستقلاليته، والهدف هنا ليس توجيه اللوم، بل تسليط الضوء على أنماط تربوية يمكن تعديلها لضمان تنشئة جيل يتمتع بالثقة والقدرة على مواجهة الحياة.

تتجلى أولى هذه الهفوات في المبالغة بالرعاية ومحاولة إبعاد أي شبح للفشل أو الألم عن طريق الطفل؛ فمنع الصغير من خوض التجارب الصعبة أو حل مشكلاته بنفسه يجعله ينمو مفتقدًا للمرونة النفسية، ومعتمدًا كليًا على محيطه حتى في أبسط شؤونه. ويتفاقم هذا الاعتماد عندما تتولى الأم زمام الأمور في كل صغيرة وكبيرة، فتختار له ملابسه وأصدقاءه وهواياته ظنًا منها أنها تختار الأفضل، بينما هي في الواقع تسلب منه مهارة اتخاذ القرار وتشعره ضمنيًا بالعجز عن إدارة حياته.

ومن جانب آخر، تلعب الكلمات دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي الذاتي للصغير؛ فمقارنته بأقرانه أو إخوته بدعوى التحفيز تزرع في نفسه شعورًا بالنقص والدونية، وتُفهمه أن قيمته مشروطة بتفوقه على الآخرين لا بذاته. كما أن النقد اللاذع المستمر أو الاستهزاء بتصرفاته العفوية يخلق بداخله حاجزًا من الخوف يمنعه من الإبداع أو المبادرة خشية الوقوع في الخطأ، مما يهز ثقته بنفسه في الصميم.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد ليشمل كيفية التعامل مع الرغبات والمشاعر؛ فالاستجابة الفورية لكل طلبات الطفل تحرمه من تعلم فضيلة الصبر وقيمة الجهد، وتنشئ شخصية لا تحتمل الانتظار. في المقابل، يؤدي تجاهل مشاعر الطفل أو الاستخفاف بدموعه ومطالبته بالكف عن الحزن إلى كبت عواطفه، مما يجعله يشعر بأن أحاسيسه بلا قيمة، ويعوق قدرته على التواصل العاطفي السليم مع محيطه مستقبلًا.

يكمن المفتاح لتجاوز هذه العثرات في تغيير نهج التربية ليصبح قائمًا على الشراكة والاحتواء، وذلك من خلال الإنصات الفعال لمشاعر الطفل وتفهمها بدلًا من قمعها، ومنحه مساحة آمنة للتجربة والخطأ ليتعلم من عثراته. كما ينبغي تعويده على الصبر من خلال تأجيل تلبية بعض الرغبات، وإشراكه في اتخاذ القرارات اليومية البسيطة، مع الحرص دائمًا على تقدير الجهد الذي يبذله لا النتيجة النهائية فقط، لتعزيز إيمانه بقدراته الذاتية.