تتربع القهوة على عرش المشروبات الأكثر استهلاكاً حول العالم، ولا يقتصر دورها على منح النشاط الصباحي أو تحسين المزاج وحركة الأمعاء فحسب، بل تمتد فوائدها لتشمل دعم صحة الكبد والقلب وتعزيز عمليات الأيض. وفي خضم هذه الفوائد، يبرز تساؤل جوهري حول علاقتها بصحة الكلى، حيث تشير الأدلة الطبية الحديثة إلى أن استهلاك القهوة لا يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض الكلى المزمنة، بل قد يكون له دور وقائي بفضل احتوائها على مضادات أكسدة قوية تُعرف بالبوليفينولات، والتي تساهم أيضاً في تقليل احتمالات الإصابة بأمراض أخرى كالسرطان ومشاكل القلب، فضلاً عن دور الكافيين في تحسين مستويات الطاقة وحرق الدهون.

ورغم هذه النظرة الإيجابية، فإن الاعتدال يظل هو المعيار الذهبي، خاصة وأن الإفراط قد يؤدي إلى اضطرابات في ضغط الدم لدى البعض. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن محبي القهوة قد يتمتعون بنسبة أقل للإصابة بأمراض الكلى تصل إلى 15%، إلا أن هذا لا ينطبق على جميع الحالات؛ فقد أظهرت دراسات متخصصة أن كبار السن الذين يعانون من السمنة أو متلازمة التمثيل الغذائي قد يواجهون تراجعاً في وظائف الكلى إذا تجاوز استهلاكهم كوبين يومياً، بينما لم يظهر هذا الارتباط السلبي لدى فئات أخرى مثل الرجال الأصحاء.

من الناحية الغذائية، تُعتبر القهوة خياراً آمناً لمرضى الكلى مقارنةً بأطعمة أخرى غنية بالبوتاسيوم مثل الموز والبطاطا والطماطم التي قد ترهق الكلى المريضة. ومع ذلك، تكمن الخطورة أحياناً في الإضافات وليس في البن ذاته، حيث ينصح المختصون بتجنب إضافة الحليب لاحتوائه على نسب من الفوسفور والبوتاسيوم التي تعجز الكلى المتعبة عن تنقيتها بكفاءة، مما يجعل القهوة السوداء الخيار الأنسب. كما يجب الانتباه إلى أن القهوة تُعد مصدراً للأوكسالات، مما قد يرفع خطر تكون الحصوات لدى الأشخاص الذين لديهم قابلية لتكوين حصوات أوكسالات الكالسيوم.

أما فيما يتعلق بالأمراض الخطيرة كالسرطان، فالصورة تبدو متباينة؛ إذ توجد مؤشرات على أن القهوة قد تقلل من خطر نوع معين من سرطان الخلايا الكلوية، في حين أن النوع منزوع الكافيين قد ارتبط في بعض الأبحاث بزيادة طفيفة في خطر نوع فرعي آخر من الأورام. وبناءً على ذلك، لا يُشترط على مريض الكلى الامتناع التام عن معشوقته السمراء، بل يمكنه الاستمتاع بها ضمن حدود الأمان التي تتراوح غالباً بين ثلاثة إلى أربعة أكواب يومياً، مع ضرورة احتسابها ضمن كمية السوائل المسموحة لتجنب احتباس السوائل في الجسم، واستبدالها بالشاي أو الخيارات منزوعة الكافيين في حال كان لها تأثير سلبي على ضغط الدم.