لطالما كانت الملاعب المصرية حاضنة للمواهب العربية ومسرحاً شهد تألق نجوم توافدوا من مختلف الأقطار ليشكلوا جزءاً أصيلاً من تاريخ الكرة في أرض الكنانة. فقد استقبل الدوري المصري العديد من اللاعبين الذين لم يكتفوا بالمرور العابر، بل تجذرت أقدامهم في الأندية المصرية، فمنهم من خاض تجارب قصيرة تركت وميضاً سريعاً، ومنهم من تحول إلى أسطورة حية ارتبط اسمه للأبد بكيان النادي الذي دافع عن ألوانه، مساهماً في حصد الألقاب وصناعة الأمجاد التي لا تزال عالقة في ذاكرة المشجعين وسجلات التاريخ.
ومن بين تلك الأسماء التي حفرت اسمها بحروف من ذهب داخل القلعة الحمراء، يبرز النجم السوداني عبد المنعم شطة، الذي يعد نموذجاً فريداً للوفاء والانتماء. لم تكن علاقته بالنادي الأهلي مجرد عقد احتراف، بل كانت بداية لحياة جديدة اختار فيها الاستقرار بمصر بشكل دائم حتى بعد تعليق حذائه، وذلك بعد مسيرة حافلة امتدت خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات، تميز خلالها بشعره الكثيف وأدائه القتالي وقفزاته الرشيقة التي ميزته عن غيره من أبناء جيله.
تعود جذور الحكاية إلى مدينة “حلة حمد” بالسودان، حيث ولد شطة في صيف عام 1953، واستهل رحلته الرياضية بشكل غير تقليدي عبر رياضة الجمباز، قبل أن تجذبه الساحرة المستديرة وهو في الخامسة عشرة من عمره ليلعب لفريق منطقته ثم ينتقل لنادي التحرير. وبالتزامن مع تفوقه الرياضي، كان شطة طالباً مجتهداً في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم، إلا أن عام 1974 حمل نقطة تحول جوهرية في مساره عندما انتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته الجامعية، وهناك لعبت الصدفة دورها حين رشحه لاعب الهلال السابق “سوريين إسكندريان” للاختبار في النادي الأهلي تحت قيادة المدرب المجري الشهير هيديكوتي.
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود في البداية، فقد أبدى هيديكوتي تحفظاً على قصر قامة اللاعب وضآلة جسمه، إلا أن النظرة الثاقبة لمحمود الجوهري، الذي كان مساعداً للمدرب آنذاك، كانت سبباً في تغيير المسار، حيث راهن على إمكانيات الشاب السوداني. وبالفعل، أثبت شطة صحة هذا الرهان، ليتحول إلى ركيزة أساسية في خط الوسط المدافع، وهو مركز أعاد هيديكوتي اكتشافه من خلاله، مستغلاً سرعته الفائقة وقدرته المذهلة على الرقابة اللصيقة والالتحام القوي رغم صغر حجمه، ليصبح “قرن شطة” كما لقبه زملاؤه، عنصراً لا غنى عنه وسط كوكبة من أساطير “الجيل الذهبي” مثل الخطيب ومصطفى عبده.
توجت هذه المسيرة العطرة بسجل حافل من الإنجازات، حيث ساهم النجم السوداني في هيمنة الأهلي المحلية والقارية، محققاً لقب الدوري خمس مرات وكأس مصر في ثلاث مناسبات، بالإضافة إلى دوره البارز في تتويج الفريق بأول لقب لدوري أبطال أفريقيا عام 1982. وعلى الصعيد الدولي، ظل شطة وفياً لمنتخب بلاده، حيث خاض العديد من المباريات الدولية وتم تصنيفه ضمن أفضل خمسين لاعباً في تاريخ الكرة السودانية.
بعد إعلان اعتزاله في موسم 1982-1983، لم يبتعد شطة عن المستطيل الأخضر، بل دشن مرحلة جديدة في عالم التدريب بدأها من قطاع الناشئين بالأهلي، وتدرج حتى وصل لمنصب المدرب العام للفريق الأول رفقة الإنجليزي آلان هاريس، وساهم من مقعد التدريب في حصد لقبين للدوري وبطولة أفريقية. لاحقاً، انتقل بخبراته إلى العمل الإداري في الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “كاف”، متقلداً مناصب رفيعة توجها برئاسة اللجنة الفنية والتطوير، ليواصل خدمة اللعبة في القارة السمراء.
وفي أحاديثه عن تلك الفترة، يظهر شطة دائماً امتناناً كبيراً لمصر وللنادي الأهلي، مؤكداً أن علاقته بهذا البلد وشعبه تجاوزت حدود الجنسية، حتى بات يشعر أنه مصري الهوى والهوية. يذكر دائماً فضل رموز النادي عليه، وكيف احتضنه الجيل الذهبي كواحد منهم، مشدداً على أن ارتباطه بجدران النادي وشوارع المحروسة لم ينقطع يوماً منذ وطأت قدماه أرض الكنانة، في قصة حب متبادلة بين لاعب قدم كل ما يملك، وجمهور حفظ له الجميل.
التعليقات