تحل ذكرى رحيل واحد من أبرز عمالقة الشاشة الفضية، الذي ودع عالمنا في التاسع عشر من شهر مارس لعام 1997، تاركاً خلفه إرثاً فنياً طويلاً ومحطات لا تُنسى. وإلى جانب براعته المعهودة في تقمص الأدوار، عُرف عن هذا النجم الكبير عشقه الجارف وشغفه الاستثنائي بكرة القدم، وتحديداً حبه العميق لنادي الزمالك؛ إذ كان التوتر يسيطر عليه تماماً في الأيام التي تشهد مباريات “الفارس الأبيض”، لدرجة تجعله عاجزاً عن التركيز أو الوقوف بثبات أمام عدسات الكاميرا.

هذا التعصب الكروي الطريف قاده ذات يوم إلى موقف لا يُنسى مع دلوعة السينما شادية في أواخر الخمسينيات، وتحديداً في كواليس تصوير شريطهم السينمائي “الهاربة”. ففي توقيت تزامن مع مباراة قمة تاريخية بين قطبي الكرة المصرية، لم يجد الثنائي وسيلة لمتابعة الحدث سوى الالتفاف حول جهاز المذياع. وبسبب الانتماءات المتعارضة، اشتعلت الأجواء بينهما وارتفعت وتيرة الحماس حتى كادت أن تتطور إلى مشادة كلامية حادة، لولا التدخل الحاسم من مخرج العمل الذي أجبرهما على ترك المباراة والعودة فوراً لاستكمال التصوير. والمفارقة أن النجمين تداركا الموقف سريعاً وقدما مشهداً رومانسياً بمنتهى الاحترافية والانسجام، مما دفع المخرج للتعبير عن إعجابه بالمشهد صائحاً بكلمة “هدف” بدلاً من الكلمة المعتادة لإيقاف التصوير.

ولم يخفِ النجم الراحل هذا العشق الكروي عن جمهوره، بل جاهر به خلال إطلالة تلفزيونية شهيرة مع الإعلامي سمير صبري، حيث اعترف بصرامته في فرض تشجيع ناديه المفضل على جميع أفراد أسرته. ورغم ذلك، تحلى بروح رياضية حين أقر بأن التنافس التاريخي بين القلعتين الحمراء والبيضاء هو ما يمنح الساحرة المستديرة نكهتها وقيمتها في مصر. وقد شهدت تلك الحلقة التلفزيونية أجواءً مرحة بانضمام الكابتن محمد لطيف، الذي استرجع ذكرياته في الملاعب، وقام بوضع تشكيلة كروية تخيلية من نجوم الفن، قبل أن يدخل في تحدٍ طريف لتسديد ركلات الجزاء داخل الاستوديو مع بطل حلقتنا.

أما على الصعيد الفني البحت، فقد بدأت إرهاصات موهبته تلوح في الأفق منذ منتصف الأربعينيات بأدوار في أعمال مثل “جنة ونار” و”نادية”، غير أن لفت الأنظار الحقيقي بدأ حين اختاره حسين فوزي ليقف أمام الاستعراضية نعيمة عاكف في “لهاليبو”. وتظل النقلة النوعية الأهم في مسيرته مرهونة بقرار المخرج يوسف شاهين الذي أسند إليه بطولة “ابن النيل” في مطلع الخمسينيات، ليفتح أمامه أبواب المجد على مصراعيها.

طوال مسيرته الحافلة، أثرى الخزانة السينمائية بما يقارب مائة وخمسين شريطاً سينمائياً، حفرت اسمه بحروف من ذهب، لعل أبرزها روائع مثل “رد قلبي”، و”الزوجة الثانية”، و”اللص والكلاب”، وغيرها من العلامات البارزة. وقد تُوج هذا العطاء الزاخر بسيل من التكريمات، حيث حصد العديد من جوائز أفضل ممثل عن تنوع أدواره وإبداعه فيها. ويبقى التكريم الأرفع في حياته حين قلده الزعيم جمال عبد الناصر وسام الجمهورية تقديراً لأدائه الاستثنائي في فيلم “رد قلبي”، ناهيك عن الاحتفاء بمسيرته الطويلة وعطائه الممتد ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي إبان الاحتفال بمرور مائة عام على انطلاق السينما في مصر.