تتجدد اليوم ذكريات الفن الجميل مع إحياء ذكرى مغادرة أحد أعمدة الشاشة الفضية، النجم القدير شكري سرحان، الذي ترك بصمة لا تُمحى في سجلات الفن السابع. بدأت رحلته مع الأضواء بخطوات خجولة منتصف الأربعينيات عبر شريط “جنة ونار”، تلاه ظهور آخر في “نادية”، قبل أن يفتح له المخرج حسين فوزي أبواب التألق رفقة نعيمة عاكف في فيلم “لهاليبو”. إلا أن شهادة ميلاده الفنية الحقيقية كُتبت بأحرف من نور مطلع الخمسينيات، حين اقتنص المخرج يوسف شاهين موهبته ليمنحه دور البطولة في رائعة “ابن النيل”، لتنطلق بعدها مسيرة حافلة بالإبداع.

أثرى هذا النجم الاستثنائي الخزانة السينمائية بما يربو على مائة وخمسين عملاً تنوعت بين الدراما والرومانسية والتشويق، حفرت أسماءها في ذاكرة المشاهد، مثل “اللص والكلاب”، “الزوجة الثانية”، “شباب امرأة”، “المرأة المجهولة”، وغيرها من الروائع. ولم يمر هذا العطاء الزاخر دون تتويج؛ إذ حصد العديد من التكريمات كأفضل ممثل عن طيف واسع من أفلامه. ولعل أرفع تلك الأوسمة كان التكريم الرئاسي من الزعيم جمال عبد الناصر إشادةً بأدائه الملحمي في “رد قلبي”، فضلاً عن الاحتفاء بمسيرته الطويلة في مهرجان القاهرة السينمائي تزامناً مع مئوية الفن السابع في مصر.

وخلف الأضواء الساطعة والوجوه المتعددة التي أطل بها على الشاشة، كان النجم الراحل يخفي قلباً متيماً بحب الساحرة المستديرة، وتحديداً الكيان الأبيض. بلغ به العشق حد التعصب الطريف، إذ كان التوتر يسيطر عليه تماماً في أيام مباريات فريقه المفضل لدرجة تعيقه عن أداء مشاهده التمثيلية. وقد تجلى هذا الهوس في قاعدة صارمة فرضها داخل منزله، مانعاً أي شخص لا يدين بالولاء للزمالك من المبيت تحت سقفه. وخلال إطلالة تلفزيونية سابقة مع الإعلامي سمير صبري، لم يُخفِ تعصبه الكروي، رغم اعترافه بأن التنافس المحموم بين القطبين هو ما يمنح الكرة المصرية مذاقها الخاص. وفي ذات اللقاء، تفاعل ببهجة مع المعلق محمد لطيف في حوار كروي تخللته منافسة ودية في تسديد ركلات الجزاء، مع وضع تشكيلة افتراضية لفريق قوامها نجوم الفن.

ومن أطرف الحكايات التي وثقت هذا الشغف الرياضي، تلك الواقعة التي شهدتها كواليس تصوير فيلم “الهاربة” أواخر الخمسينيات. حينها، تزامنت أوقات العمل مع ديربي كرة قدم ناري، فما كان من سرحان وزميلته النجمة شادية إلا أن هجرا موقع التصوير والتفا حول جهاز المذياع لمتابعة أحداث اللقاء. اشتعلت الأجواء بينهما وتحول النقاش إلى تراشق حماسي كاد يتطور إلى خلاف حاد لولا التدخل الحاسم لمخرج العمل الذي أعادهما فوراً لاستكمال التصوير. وباحترافية شديدة، نفض النجمان غبار التعصب الكروي ليؤديا مشهداً عاطفياً في غاية الرقة والانسجام، مما أثار إعجاب المخرج الذي قرر إنهاء المشهد بصرخة عفوية صائحاً “هدف!” بدلاً من الكلمة المعتادة لإيقاف الكاميرا.