في عالم كرة القدم، لا تُقاس النجومية دائمًا بطول البقاء داخل جدران نادٍ واحد، فثمة لاعبون اختاروا حياة الترحال، متنقلين بأحلامهم ومواهبهم بين ملاعب متعددة، تاركين خلفهم حكايات متفاوتة النجاح في كل محطة، ليصبح تغيير الألوان والشعارات سمة أساسية لمسيرتهم الرياضية، ويعد صالح جمعة نموذجًا حيًا لهذا النوع من اللاعبين الذين لم يعرفوا الاستقرار طويلًا، حيث يجد نفسه الآن عند مفترق طرق جديد، بلا نادٍ يحتضنه بعد إسدال الستار على آخر تجاربه الاحترافية.

بدأت قصة هذا اللاعب الموهوب مبكرًا حين لفت الأنظار إليه بشدة بقميص نادي إنبي، حيث بزغ نجمه كواحد من ألمع المواهب الصاعدة، ما مهد له الطريق لتمثيل المنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها العمرية وصولًا للمنتخب الأول، وقد قادته هذه الموهبة الفذة لخوض مغامرة احترافية في الملاعب الأوروبية عبر بوابة ناسيونال ماديرا البرتغالي، إلا أن الرياح لم تأتِ بما تشتهي السفن، ليعود سريعًا باحثًا عن مجد جديد في الملاعب المحلية.

شهد عام 2015 نقطة تحول كبرى في مسيرته، حينما اشتعل الصراع بين قطبي الكرة المصرية للظفر بخدماته، لينتهي به المطاف داخل القلعة الحمراء في صفقة صاحبها ضجيج إعلامي كبير، ورغم قضائه ما يقارب الخمس سنوات ونصف السنة بين جدران الأهلي، تخللتها فترة إعارة قصيرة إلى الدوري السعودي، إلا أن مسيرته هناك كانت سلسلة من التقلبات؛ فبينما امتلأت خزائنه بالألقاب المحلية والقارية التي تجاوزت العشر بطولات، عانى اللاعب من عدم الاستمرارية وتكرار الأزمات التي حالت دون استغلال موهبته بالشكل الأمثل.

لم تتوقف رحلة البحث عن الذات بعد مغادرة الجزيرة، فقد حزم اللاعب حقائبه متجهًا صوب عدة أندية محلية أخرى، بداية من سيراميكا كليوباترا وصولًا إلى النادي الإسماعيلي، في محاولات متكررة لاستعادة البريق المفقود، قبل أن يقرر خوض تحدٍ خارجي جديد بالانضمام إلى نادي الكرخ العراقي، وهي التجربة التي بدأت بمؤشرات إيجابية لكنها انتهت نهاية درامية؛ إذ تسببت واقعة انضباطية مع أحد الحكام في تعرضه لعقوبة الإيقاف الطويل والغرامة، مما عجل بإنهاء ارتباطه بالفريق.

اليوم، يقف صالح جمعة وحيدًا خارج المستطيل الأخضر، حاملًا في جعبته موهبة لا يختلف عليها اثنان، وتاريخًا حافلًا بالتنقلات والفرص المهدرة، في انتظار فصل جديد قد يكتبه القدر، فهل ستكون المحطة القادمة فرصة أخيرة لإثبات الذات، أم ستظل موهبته مجرد ذكرى لما كان يمكن أن يكون؟