عالم الساحرة المستديرة مليء بالقصص الخفية والمفاجآت التي لم ترَ النور، خاصة عندما يتعلق الأمر بسوق الانتقالات والمارد الأحمر. لطالما شهدت أروقة القلعة الحمراء محاولات جادة لاستقطاب نجوم لامعين، إلا أن رياح المفاوضات لا تأتي دائماً بما تشتهيه الإدارات. تتعدد أسباب تعثر هذه الصفقات قبل إتمامها، فإما أن تظهر عقبات مالية متمثلة في شروط تعجيزية تفرضها الأندية الأصلية، أو تتدخل حسابات فنية معقدة، وفي بعض الأحيان تلعب الأقدار دورها في اللحظات الحاسمة لتغيير وجهة اللاعب تماماً.

ولعل من أبرز وأغرب هذه الحكايات التي كادت أن تهز الوسط الرياضي، هي تلك التي بطلها الأيقونة التاريخية للغريم التقليدي، محمود عبد الرازق شيكابالا. ففي أثناء فترة احترافه في الملاعب اليونانية، كانت أبواب الجزيرة مفتوحة على مصراعيها لاستقباله. حينها، أظهرت الإدارة الحمراء رغبة قوية في الحصول على خدماته، وهو ما قابله اللاعب بترحيب مبدئي، لتنطلق سلسلة من الكواليس المثيرة.

عندما قرر النجم الأسمر إنهاء مسيرته الأوروبية والعودة إلى مصر، كان يدرك جيداً أن قيمته التسويقية الكبيرة لن يتحملها سوى قطبي الكرة المصرية. لكن المفارقة كانت في الاستقبال الذي وجده من بيته الأول؛ فقد تعرض لتهميش غريب من مسؤولي ناديه، حيث تردد على مقر النادي مراراً دون أن يجد من يستقبله أو يكترث لحسم أمره، مما أدخله في حالة من الإحباط الشديد وجعله يخشى على مستقبل مسيرته الكروية. على النقيض تماماً، كان مسؤولو الفريق الأحمر يحاصرونه بالاهتمام البالغ والاتصالات الهاتفية المتواصلة، مستعرضين قوة تشكيلتهم التي كانت تُعد حينها الأقوى محلياً وتضاهي المنتخب الوطني.

بلغت الإثارة ذروتها عندما عقد اللاعب جلسة فعلية مع مهندسي صفقات القلعة الحمراء، وكان التوقيع قاب قوسين أو أدنى. في تلك اللحظة الفارقة، سيطرت عليه مشاعر التناقض العاطفي، وهو ما تجلى بوضوح عندما وجد نفسه داخل عرين المنافس مرتدياً قميصاً أبيض. لم يستطع إخفاء انتمائه العميق، فصارحهم بمخاوفه المتمثلة في عدم قدرته على السيطرة على مشاعره إذا ما سجل فريقه السابق هدفاً وكيف أن احتفاله العفوي قد ينهي مشواره الرياضي، محاولين طمأنته بأن الأجواء الجديدة ستجعله يعشق الكيان الأحمر.

إلا أن النداء الداخلي كان أقوى من أي إغراءات، وجاء طوق النجاة عبر مكالمة هاتفية حاسمة من أحد أبرز الوجوه القيادية في القلعة البيضاء آنذاك. استفسر الأخير عن وجهة اللاعب ورغباته الحقيقية، ليأتيه الرد القاطع برغبته في العودة إلى بيته. تزامنت هذه المكالمة مع تأخر طفيف من جانب الإدارة الحمراء في تجهيز العقود الرسمية في تلك اللحظة، ليكون ذلك بمثابة المخرج المثالي للاعب الذي قدم اعتذاره بشجاعة، مديراً ظهره لأكبر صفقة كانت ستغير مجرى التاريخ الرياضي، ومفضلاً العودة إلى كتابة أسطورته بالقميص الأبيض.