مع إقبال نفحات الشهر الفضيل، تتسابق العائلات لغرس شعائر الدين في نفوس الصغار، وكثيرًا ما تندفع الأمهات نحو تشجيع أبنائهن على خوض تجربة الصيام الكامل في سن مبكرة. ومع نبل هذه الغاية، إلا أن المختصين في صحة الطفل يحذرون من تحويل هذا التدريب إلى عبء بدني يفوق طاقة الصغير؛ فالصيام فريضة تتطلب بنية جسدية مكتملة، وفرضه قسراً قبل الأوان قد يؤدي إلى تبعات صحية غير مرغوبة بدلاً من تحقيق التربية الروحية المنشودة.
من الناحية الطبية، لا يُطالب الإنسان بالصيام الشرعي إلا عند بلوغ مرحلة النضج الجسدي، وما دون ذلك يندرج تحت بند التهيؤ والتدريب المرن. فالأطفال، وتحديداً من لم يتجاوزوا العاشرة، قد لا تمتلك أجسادهم المخزون الكافي للصمود أمام ساعات الانقطاع الطويل عن السوائل والغذاء، لا سيما إذا تزامن الشهر مع طقس حار أو تطلب الأمر مجهوداً دراسياً وبدنياً، مما يجعلهم عرضة لمخاطر حقيقية تفوق قدرة تحملهم.
إن تجاهل هذه الإشارات الفسيولوجية قد يدفع جسم الطفل إلى نوبات من الإعياء، تبدأ بانخفاض مفاجئ في مستويات الجلوكوز بالدم، وتظهر أعراضه بوضوح عبر ارتعاش الأطراف، الشحوب، أو الدوار والتعرق البارد. كما يشكل نقص السوائل خطراً يهدد بالجفاف، ناهيك عن تأثير الجوع المستمر على الوظائف الذهنية، مما يسبب تشتت الانتباه، الصداع، والشعور بالغثيان، وهو ما ينعكس سلباً على الأداء الدراسي والحيوية المعتادة للطفل.
لضمان تجربة آمنة ومثمرة، يُنصح باتباع سياسة التدرج الذكي، كالاكتفاء بصيام بضع ساعات من النهار أو ما يُعرف بصيام العصافير، مع التركيز الشديد على نوعية وجبة السحور لتكون غنية بالعناصر التي تمد الجسم بالطاقة لفترة أطول. ومن الضروري أن تكون الأم مراقبة جيدة لحالة طفلها، بحيث لا تتردد في تقديم الطعام له فور ملاحظة أي علامات للوهن، مع الاعتماد على التحفيز الإيجابي والثناء بدلاً من التوبيخ أو المقارنة بالآخرين. في النهاية، يبقى الجوهر الحقيقي لهذه العبادة هو الرحمة والتقرب إلى الله بحب، والهدف الأسمى هو أن يكبر الطفل وفي ذاكرته ارتباط وثيق وجميل بهذا الشهر، بعيداً عن مشاعر القهر أو المعاناة الجسدية.
التعليقات