يسود اعتقاد قديم لدى شريحة واسعة من الناس بأن اعتياد فرقعة الأصابع والمفاصل يُعد طريقاً مختصراً للإصابة بالخشونة أو الالتهابات المزمنة مع مرور السنوات، غير أن الأوساط الطبية والبحثية ترى هذا التصور غير دقيق من الناحية العلمية. وعادةً ما تنجم الأصوات المسموعة عند تحريك الأطراف عن ديناميكية ميكانيكية طبيعية داخل الجسم؛ فقد يكون المصدر هو انفجار فقاعات غازية صغيرة تتشكل داخل السائل المحيط بالمفصل نتيجة تغيرات مفاجئة في الضغط، أو ربما بسبب انزلاق الأوتار والأربطة فوق النتوءات العظمية، وأحياناً تكون ناتجة عن تباعد مؤقت بين أجزاء المفصل قبل عودتها لمكانها الطبيعي.
وفي هذا السياق، يطمئن متخصصو الروماتيزم بأن ظاهرة “القرقعة” بحد ذاتها، والتي تعرف طبياً بـ”المقع”، تعد أمراً مألوفاً وغير مؤذٍ في الغالب، طالما أنها لا تترافق مع أي أعراض مزعجة. فالفيصل هنا هو الألم؛ إذ تصبح هذه الأصوات مؤشراً يستدعي الحذر والمتابعة الطبية فقط إذا صاحبتها أوجاع مستمرة، أو تورم ملحوظ، أو شعور بتيبس وصعوبة في تحريك الطرف، أو حتى إحساس بعدم ثبات المفصل وكأنه يحتك ببعضه داخلياً أو يعاني من الضعف والتنميل.
هذه العلامات المقلقة قد تكون نذيراً بوجود مشكلات صحية كامنة، مثل بدايات تآكل الغضاريف (الخشونة المبكرة)، أو تمزقات في الأنسجة الهلالية، أو إصابات في الأربطة. ومن الجدير بالذكر أن الخلل لا يكمن دائماً داخل المفصل ذاته، بل قد يكون منشؤه العضلات المحيطة به؛ فضعف الكتلة العضلية أو غياب التوافق العصبي العضلي يؤدي إلى عدم انزلاق الأوتار بسلاسة، مما يولد تلك الأصوات المسموعة، كما يحدث غالباً عند عدم ثبات لوح الكتف أو اضطراب عمل العضلات العميقة في منطقة الحوض.
وتلعب العوامل البيئية ونمط الحياة دوراً بارزاً في زيادة حدة هذه الظاهرة، حيث يلاحظ الكثيرون ارتفاع معدل طقطقة مفاصلهم خلال الأجواء الباردة أو الرطبة وكذلك في الصباح الباكر. ويُعزى ذلك فسيولوجياً إلى انخفاض الضغط الجوي، وزيادة كثافة ولزوجة السائل الزلالي، مع تقلص مرونة الأنسجة وضعف التروية الدموية أثناء فترات الخمول أو النوم بوضعيات غير صحية تزيد العبء الميكانيكي على المفاصل.
وعلى الصعيد السلوكي، قد يتحول هذا الفعل إلى عادة قهرية لدى البعض رغبةً في الشعور بالراحة المؤقتة أو الاستجابة للصوت الصادر، ورغم التحذيرات من الاعتياد النفسي على ذلك، إلا أن الدليل العلمي القاطع ينفي تسبب الفرقعة المجردة في التهاب المفاصل. ولعل التجربة الشهيرة التي قام بها أحد الأطباء على نفسه خير برهان، حيث دأب على طرقعة مفاصل يده اليسرى فقط دون اليمنى لمدة تجاوزت الخمسين عاماً، لتظهر الفحوصات الإشعاعية لاحقاً سلامة كلتا اليدين وتماثلهما تماماً، مما دحض الخرافات المتوارثة حول الضرر الحتمي.
وللحفاظ على صحة المفاصل والتقليل من صدور هذه الأصوات بطريقة آمنة، ينصح الخبراء بتبني نمط حياة نشط يعتمد على تقوية العضلات الداعمة للهيكل العظمي، والانتظام في تمارين الإطالة والمرونة، والتركيز على الأنشطة الرياضية ذات التأثير المنخفض مثل السباحة وركوب الدراجات واليوغا، لضمان ليونة الحركة وتجنب التيبس الناتج عن الخمول.
التعليقات