يحل شهر الصيام حاملاً معه بركات روحانية، لكنه غالباً ما يترافق مع ضغوط مادية متزايدة نتيجة العادات الاستهلاكية المرتبطة بتنوع المأكولات والموائد. وفي هذا السياق، تشير خبيرة التدبير المنزلي، هبة محمد، إلى أن تحقيق المعادلة الصعبة بين توفير المال والحفاظ على مائدة رمضانية عامرة وشهية أمر ممكن تماماً، شريطة اتباع استراتيجيات مدروسة تعتمد على التخطيط الذكي بدلاً من البذخ غير المبرر، فالهدف من الشهر هو السمو الروحي وليس الإسراف الغذائي.
وتبدأ الخطوات العملية لضبط الميزانية قبل التوجه إلى الأسواق، وذلك من خلال إعداد “خريطة مشتريات” دقيقة تتضمن الاحتياجات الأسبوعية فقط، والالتزام بها بصرامة لتفادي الوقوع في فخ الشراء العشوائي أو الانجراف خلف المغريات البصرية. كما يُنصح بالتعامل الذكي مع العروض الموسمية عبر مقارنة الأسعار واقتناص التخفيضات الحقيقية، مع التوجه نحو شراء السلع الأساسية طويلة الأجل كالأرز والسكر والبقوليات بنظام “الجملة” لتوفير التكلفة، شريطة عدم تطبيق هذا المبدأ على الأصناف سريعة التلف لتجنب فسادها.
وفي داخل المطبخ، يكمن سر التوفير الحقيقي في فن إدارة الموارد وتجنب الهدر؛ إذ يجب تقدير كميات الطهي بما يتناسب فعلياً مع عدد الأفراد، مع ضرورة ابتكار حلول إبداعية لإعادة تدوير بقايا الطعام وتحويلها إلى أطباق جديدة ومبتكرة بدلاً من التخلص منها، فالاقتصاد هنا يعني حسن التدبير وليس الحرمان. كما يُفضل استغلال المكونات المتوفرة مسبقاً في المنزل، كاستخدام بقايا الخبز أو الخضروات في وصفات مختلفة، قبل التفكير في شراء مكونات جديدة.
وعلى صعيد نوعية الأطعمة، ليس بالضرورة أن تكون المائدة باهظة التكلفة لتكون مغذية ومشبعة؛ فالأطباق التقليدية الغنية بالبروتين النباتي كالعدس والطواجن المتنوعة تمثل بدائل اقتصادية ممتازة. وبالنسبة للتحلية والمشروبات، يعتبر “صنع المنزل” هو الخيار الأمثل، حيث يوفر إعداد الكنافة والبسبوسة والعصائر الطبيعية يدوياً مبالغ كبيرة مقارنة بأسعار المحلات، فضلاً عن كونها خيارات صحية أكثر تتيح التحكم في نسب السكر، مع عدم إغفال أهمية الاعتماد على الماء كمشروب أساسي وصحي.
أما فيما يخص الجانب الاجتماعي والولائم، فيجب إعادة صياغة المفاهيم بحيث يكون التركيز على جوهر التراحم ودفء اللقاء العائلي بدلاً من التفاخر بكثرة الأصناف؛ حيث يمكن الاكتفاء بتقديم مائدة بسيطة وعالية الجودة، أو اعتماد نظام المشاركة في الأطباق لتخفيف الأعباء. إن التفكير المنطقي قبل كل عملية شراء، والتخلي عن العادات الشرائية العاطفية، هو المفتاح الأساسي للخروج من الشهر الفضيل بميزانية متزنة وروحانية عالية.
التعليقات