غالباً ما تخدعنا الأجواء الشتوية بشعور زائف بالاكتفاء من السوائل، إذ يغيب العرق والحرارة الشديدة، فيظن المرء أن جسده ليس بحاجة إلى الماء، لكن هذا الهدوء البارد يخفي وراءه استنزافاً مستمراً لرطوبة الجسم. فمع انخفاض درجات الحرارة، تتراجع إشارات العطش الطبيعية التي يرسلها الدماغ، مما يجعلنا نغفل عن الشرب لفترات طويلة. وتتفاقم المشكلة بفعل عوامل خارجية مثل التدفئة المركزية الجافة، وارتداء طبقات متعددة من الملابس، والاستحمام بالماء الساخن، ناهيك عن الإفراط في المشروبات التي تحتوي على الكافيين، ليتسلل الجفاف إلى الجسم بصمت دون أن تظهر أعراضه التحذيرية المعتادة.
ولأن الماء يشكل المكون الأكبر في بنية الدماغ البشري بنسبة تصل إلى ثلاثة أرباعه، فإن أي نقص طفيف في السوائل يؤثر بشكل مباشر وحاد على كفاءته؛ حيث يؤدي انخفاض حجم الدم الناتج عن الجفاف إلى تباطؤ تدفق الأكسجين والمغذيات الضرورية للخلايا العصبية. وينتج عن ذلك سلسلة من الأعراض المزعجة التي قد لا نربطها بالعطش فوراً، مثل الصداع المتكرر، والتشوش الذهني المعروف بـ “ضبابية الدماغ”، وصعوبة التركيز، والدوار، وحتى التقلبات المزاجية غير المبررة. ومع استمرار هذه الحالة، قد يتطور الأمر ليؤثر سلباً على الوظائف الإدراكية والذاكرة على المدى البعيد.
وتتجاوز المخاطر مجرد الشعور بالإرهاق أو قلة التركيز، إذ يحذر خبراء الأعصاب من أن الجفاف الشتوي يؤدي إلى زيادة طفيفة في لزوجة الدم، وهو ما قد يرفع احتمالية تكون الجلطات. ويصبح هذا الخطر أكثر وضوحاً لدى الأشخاص الذين يعانون مسبقاً من مشكلات صحية مثل السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، حيث تزداد فرص تعرضهم لمضاعفات خطيرة كالسكتات الدماغية أو النوبات الإقفارية العابرة، وغالباً ما تكون مؤشرات الخطر غامضة، متمثلة في التعب العام وسرعة الانفعال وبطء الاستيعاب.
وتزداد هذه المخاطر حدة لدى الفئات العمرية الأكثر حساسية؛ فالأطفال غالباً ما ينشغلون عن شرب الماء أثناء يومهم الدراسي، بينما تتراجع حاسة العطش بيولوجياً بشكل ملحوظ لدى كبار السن. ويرتبط الجفاف لدى المسنين في الشتاء بمخاطر جدية تشمل الهذيان المفاجئ، وزيادة احتمالية السقوط، والحاجة إلى الرعاية الطبية في المستشفيات.
ولتجنب هذه التبعات الصحية، ينصح الخبراء بتبني روتين شرب واعي لا يعتمد على انتظار الشعور بالعطش، بل يسبقه. ويمكن تعزيز رطوبة الجسم من خلال تناول السوائل الدافئة كالحساء وشاي الأعشاب، مع ضرورة الاعتدال في القهوة والمشروبات المدرة للبول. ويعد مراقبة لون البول، بحيث يكون فاتحاً، وسيلة بسيطة وفعالة للتأكد من كفاية السوائل. في النهاية، الحفاظ على ارتواء الجسم في الشتاء ليس مجرد مسألة راحة جسدية، بل هو إجراء وقائي حيوي لحماية الدماغ وضمان عمله بوضوح ونشاط.
التعليقات