تحتفظ ذاكرة عشاق الساحرة المستديرة في مدينة الإسكندرية بمكانة استثنائية لعدد قليل من النجوم الذين تجاوزوا بموهبتهم حدود اللعب التقليدي، ويأتي في مقدمة هؤلاء الكابتن عادل البابلي، الذي يُعد أيقونة خالدة في تاريخ “زعيم الثغر”. لم يكن ارتباط الجماهير به مجرد إعجاب بمهارات لاعب كرة قدم، بل كان تقديراً لشخصية قيادية فريدة استطاعت أن تفرض أسلوبها الراقي داخل المستطيل الأخضر، مما جعله يستحق عن جدارة لقب “الوزير”، وهو وصف يعكس دقة تمريراته ورجاحة عقله في إدارة وسط الميدان، وكأنه يدير شؤوناً سياسية بحنكة وهدوء.
انطلقت رحلة هذا النجم الفذ من بين جدران النادي، حيث تدرج في فرق الناشئين مُظهراً نضجاً كروياً يسبق سنه بمراحل. لم يعتمد البابلي في أسلوبه على الركض المستمر أو القوة البدنية المجردة، بل كان يعتمد على الذكاء الميداني والقدرة الفذة على استشراف تحركات الخصوم والزملاء، مما مهد له الطريق سريعاً لحجز مقعد أساسي في الفريق الأول. كان وجوده في التشكيلة بمثابة صمام أمان وضابط إيقاع، يمنح الفريق توازناً فنياً ويحول الصعوبات إلى حلول سلسة بلمسات فنية ساحرة.
وخلال فترتي الثمانينيات والتسعينيات، كان البابلي حجر الزاوية في جيل ذهبي جعل من مواجهة الاتحاد السكندري مهمة شاقة لأعتى الفرق، خاصة على ملعبه التاريخي. تميز أداؤه بالأناقة المتناهية والقدرة على امتصاص حماس المنافسين ببرود أعصاب يُحسد عليه، مما أكسبه احترام الحكام والخصوم قبل المشجعين. كانت الكرة تطاوعه لترسم مسارات دقيقة، وكان حضوره الطاغي يبعث الثقة في نفوس زملائه، وكأنهم يستندون إلى قائد لا يعرف الارتباك، مما رسخ صورته كقائد حقيقي يقود فريقه بحكمة واقتدار.
ولعل أبرز ما خلد اسم “الوزير” في وجدان الشارع السكندري هو معدنه الأصيل وولاؤه المطلق للشعار الذي حمله. ففي عصر بدأت فيه لغة المال تطغى على الانتماء، وتنهال فيه العروض المغرية من أندية القمة، اختار البابلي أن يبقى وفياً لمدينته وجمهوره، مؤثراً محبة الناس ودفء المدرجات في الشاطبي ومحرم بك على أي مكاسب دنيوية أخرى. رحل عن الملاعب بجسده، لكنه ترك إرثاً أخلاقياً وفنياً يجعله حتى اليوم النموذج الأمثل للاعب الذي يجمع بين الموهبة الفذة والإخلاص النادر، ليظل اسمه درساً حياً للأجيال القادمة في معنى العشق الحقيقي لكرة القدم.
التعليقات