تشير الدلائل العلمية الجديدة إلى وجود رابط وثيق بين توقيت نشاطنا اليومي وصحة أدمغتنا مع تقدم العمر، حيث كشفت أبحاث أجراها علماء في مركز جامعة تكساس ساوث ويسترن الطبي أن المسنين الذين يميلون إلى الاستيقاظ والنشاط في ساعات الصباح الأولى يتمتعون بحماية أكبر ضد التدهور المعرفي، بينما يواجه أولئك الذين تتأخر ذروة حيويتهم وفاعليتهم إلى فترات ما بعد الظهيرة والمساء خطراً متزايداً للإصابة بالخرف.

وتبين من خلال التحليل الدقيق أن تجاوز الساعة الثانية ظهراً كوقت ذروة للنشاط يعد مؤشراً مقلقاً، إذ ترتفع احتمالية الإصابة بالمرض لدى هذه الفئة بشكل ملحوظ مقارنة بأقرانهم “الصباحيين”. ويعزو المختصون ذلك إلى أن دفقات النشاط والطاقة المتأخرة قد تربك الآليات الطبيعية للجسم، مما يعيق عملية التنظيف الذاتي للدماغ ويمنعه من التخلص من البروتينات الضارة المتراكمة التي تؤثر سلباً على الوظائف العقلية.

وللوصول إلى هذه النتائج، راقب الفريق البحثي الحالة الإدراكية لمجموعة كبيرة من كبار السن تجاوز عددهم الألفين، بمتوسط عمري قارب الثمانين عاماً، ولم يكن أي منهم يعاني من مشاكل في الذاكرة عند بداية التجربة. وقد تم تزويد المشاركين بأجهزة دقيقة لرصد معدل ضربات القلب وقياس إيقاعهم البيولوجي على مدى قرابة أسبوعين، ثم متابعة حالتهم الصحية وتقييمها لمدة ثلاث سنوات متواصلة لرصد أي تغييرات.

أظهرت النتائج النهائية أرقاماً لافتة، إذ تبين أن المشاركين الذين يصلون لقمة نشاطهم بعد الثانية والربع ظهراً ارتفعت لديهم مخاطر الإصابة بالخرف بنسبة وصلت إلى 45% مقارنة بمن ينشطون في وقت مبكر. ولم يقتصر الأمر على توقيت النشاط فحسب، بل شمل أيضاً استقرار الساعة البيولوجية؛ فالأشخاص الذين يعانون من ضعف أو تذبذب في إيقاعهم اليومي كانوا أكثر عرضة للخطر بمعدل الضعف والنصف تقريباً مقارنة بمن لديهم نظام يومي منتظم وقوي.

ويفسر الباحثون في الدراسة التي نُشرت نتائجها في دوريات متخصصة بالأعصاب، بأن النشاط المتأخر يعكس حالة من عدم التناغم بين ساعة الجسم الداخلية والمحيط الخارجي، خاصة فيما يتعلق بتعاقب الضوء والظلام. هذا الاضطراب يمنع الجسم من الاستشعار الطبيعي للحاجة إلى الراحة ليلاً، مما يولد سلسلة من المشاكل تشمل الأرق، والالتهابات المزمنة، وتغيرات هرمونية سلبية تجعل الجسم بيئة خصبة للأمراض.

وفي سياق متصل، أوضحت الدكتورة ويندي وانغ، المشرفة على الدراسة، أن هذه الفوضى في التوقيت الحيوي وتغيير العادات اليومية تؤثر بشكل مباشر على العمليات البيولوجية، وقد تسرع من تراكم لويحات “الأميلويد” المرتبطة بمرض الخرف، أو تعطل قدرة المخ على التخلص منها بفعالية. وتأتي هذه الاكتشافات لتضيف بعداً جديداً لفهمنا لمسببات المرض؛ فبجانب العوامل التقليدية كالجينات ونمط الغذاء والتدخين وقلة الحركة، يبدو أن الحفاظ على ساعة بيولوجية منضبطة ومتناغمة مع الطبيعة يمثل ركيزة أساسية لصحة العقل.