تتجاوز جاذبية كرة القدم مجرد التنافس البدني لتصل إلى آفاق الأساطير التي تنسجها الجماهير على المدرجات، حيث تكفي لحظة تألق واحدة لتتويج لاعب بلقب يخلد ذكراه لعقود تفوق مسيرته الرياضية. وفي الثقافة الكروية المصرية، يمتلك المشجعون براعة استثنائية في منح أبطالهم مسميات تعكس قيمتهم الميدانية، وهي حكايات نتوق لاستعادتها في أجواء شهر رمضان الروحانية. ومن أبرز هذه الروايات الخالدة تبرز أسطورة حارس المرمى الفذ عصام الحضري، الذي اقترن اسمه بلقب “السد العالي”. لم يأتِ هذا الوصف من فراغ، بل كان انعكاساً دقيقاً لبسالته النادرة وقدرته الأسطورية على تحطيم آمال المهاجمين، في تشبيه بليغ بالبناء المائي العظيم في أسوان، وهو ما تجلى بوضوح خلال مسيرته الحافلة بالبطولات القارية والدولية.

انطلقت شرارة هذه المسيرة الاستثنائية بعيداً عن أضواء العاصمة، وتحديداً من أروقة نادي دمياط، حيث لعب دوراً محورياً في صعود فريقه إلى مصاف أندية النخبة. هذا التألق لفت أنظار مسؤولي النادي الأهلي الذين سارعوا لضمه عام 1996، لتبدأ حقبة من الهيمنة المطلقة. بقميص المارد الأحمر، جمع الحضري حصيلة مذهلة بلغت ثلاثة وعشرين لقباً، شملت التتويج بدرع الدوري المحلي ثماني مرات، إلى جانب ألقاب متعددة في كأس مصر والسوبر المحلي. ولم يقتصر تفوقه على الساحة المحلية، بل امتد ليعانق المجد الإقليمي والقاري عبر حصد بطولات النخبة العربية، وثلاث كؤوس لدوري أبطال أفريقيا، ومثلها في السوبر القاري، متوجاً ذلك بالميدالية البرونزية في مونديال الأندية. وإلى جانب براعته في حماية عرينه، حفر اسمه في سجلات الهدافين بلقطة إعجازية حين أرسل قذيفة مدوية من منتصف ملعبه لتعانق شباك فريق كايزر تشيفز الجنوب أفريقي.

وعلى الصعيد الدولي، نصب هذا الحارس العملاق نفسه زعيماً للقارة السمراء برفقة المنتخب المصري، متوجاً ببطولة كأس الأمم الأفريقية في أربع نسخ مختلفة، حيث ارتدى شارة القيادة في ذروة تألقه. كما أسرت ردود فعله الخرافية أنظار العالم بأسره خلال بطولة كأس القارات بجنوب أفريقيا، ولا سيما تصدياته الإعجازية أمام أبطال العالم المنتخب الإيطالي، والتي تصدرت حينها عناوين الصحف الكبرى. غير أن المجد الشخصي الأكبر كان بانتظاره على المسرح الأهم، حين وقف حامياً لعرين الفراعنة في مواجهة المنتخب السعودي خلال مونديال روسيا. في ذلك اليوم، وعن عمر يناهز الخامسة والأربعين عاماً وبضعة أشهر، حطم الرقم القياسي العالمي متجاوزاً إنجاز الحارس الكولومبي فاريد موندراجون، ليخلد اسمه بحروف من ذهب كأكبر لاعب يطأ عشب الملاعب في تاريخ كؤوس العالم.