لا يقتصر الإبداع في عالم الساحرة المستديرة على اللاعبين الذين ارتبطوا بنادٍ واحد طوال حياتهم، فهناك صنف آخر من النجوم اختاروا الترحال كنهج لمسيرتهم الرياضية، يتنقلون بخبراتهم العريضة بين الملاعب المختلفة تاركين بصمة لا تُمحى في كل محطة، وهو الوصف الذي ينطبق تماماً على مسيرة الحارس الأسطوري عصام الحضري. يُعد الحضري أيقونة حراسة المرمى في تاريخ الكرة المصرية، ليس فقط لمهاراته الفذة، بل لإنجازاته الاستثنائية التي خلدتها سجلات كرة القدم العالمية؛ فقد نجح في تحطيم الأرقام القياسية بكونه أكبر لاعب سناً يشارك في تاريخ نهائيات كأس العالم، وذلك حينما دافع عن عرين الفراعنة أمام المنتخب السعودي في مونديال روسيا 2018 وهو في الخامسة والأربعين من عمره، متجاوزاً بذلك الرقم السابق المسجل باسم الحارس الكولومبي فريد موندراجون.

انطلقت حكاية “السد العالي” من ملاعب دمياط في مطلع التسعينيات، قبل أن ينتقل لكتابة التاريخ داخل جدران النادي الأهلي بداية من عام 1996. وقد شهدت فترته مع القلعة الحمراء، التي امتدت لنحو ثلاثة عشر عاماً، حصاداً وفيراً من البطولات بلغ 24 لقباً متنوعاً، ما بين هيمنة محلية على الدوري والكأس والسوبر المصري، وتألق قاري بحصد دوري أبطال أفريقيا والسوبر الأفريقي عدة مرات، وصولاً إلى التتويج ببرونزية كأس العالم للأندية باليابان عام 2006، فضلاً عن الألقاب العربية.

لم تقتصر مسيرة الحضري على الملاعب المحلية، بل خاض مغامرة الاحتراف الأوروبي عبر بوابة سيون السويسري عام 2008 حيث توج معه بلقب الكأس، لتبدأ بعدها رحلة مكوكية بين العديد من الأندية. عاد الحارس المخضرم إلى مصر ليدافع عن ألوان الإسماعيلي، ومر بتجربة قصيرة بقميص الزمالك، قبل أن يتجه جنوباً نحو السودان ليحقق ثلاثة ألقاب مع المريخ السوداني. واستمر شغفه باللعب ليدفعه لتمثيل أندية الاتحاد السكندري ووادي دجلة، بالإضافة إلى تجربة احترافية أخرى في الدوري السعودي مع نادي التعاون، قبل أن يكتب الفصل الأخير في مشواره كلاعب مع نادي النجوم ويعلن اعتزاله في عام 2019.

وعلى المستوى الدولي، يمتلك الحضري إرثاً ضخماً بقميص المنتخب المصري، حيث ساهم بفاعلية في الحقبة الذهبية للفراعنة، متوجاً بلقب كأس الأمم الأفريقية أربع مرات، ومحققاً إنجازاً فردياً بالفوز بلقب أفضل حارس في البطولة لثلاث دورات متتالية. كما يأتي الحضري في المركز الثالث بقائمة أكثر اللاعبين تمثيلاً لمنتخب مصر تاريخياً، ويحمل الرقم القياسي كأكبر لاعب يشارك في نهائي أمم أفريقيا، وذلك في نسخة 2017. وبعد أن خلع قفاز الإجادة، اتجه الحضري لنقل خبراته الطويلة إلى الأجيال الجديدة عبر مجال التدريب، حيث عمل مدرباً لحراس المرمى مع المنتخب الأولمبي المصري، ثم انتقل للعمل ضمن الجهاز الفني لمنتخب سوريا بصحبة المدرب الأرجنتيني هيكتور كوبر.