لم يعد الاهتمام بصحة الدماغ مقتصرًا على علاج المشكلات العصبية المباشرة، فقد أزاحت الأبحاث العلمية الستار عن علاقة وثيقة بين سلامة أعضاء الجسد المختلفة والحماية من التدهور المعرفي؛ إذ تشير المعطيات الجديدة إلى أن السيطرة على مجموعة من الأمراض الشائعة، كالسكري من النوع الثاني ومشكلات اللثة، قد تكون السبب في خفض معدلات الإصابة بالخرف حول العالم بنسبة تصل إلى الثلث.
وقد توصل فريق بحثي متخصص، من خلال تحليل موسع شمل مئات الدراسات السابقة، إلى أن هناك ستة عشر مرضًا يصيب “الأعضاء الطرفية” -أي البعيدة عن الدماغ- تلعب دورًا خفيًا في زيادة احتمالية الإصابة بمرض ألزهايمر وغيره من أشكال الخرف، وتتنوع هذه الاعتلالات لتشمل أمراض القلب والكبد المزمنة، والفشل الكلوي، وهشاشة العظام، والتهابات الأمعاء والرئة، إضافة إلى تدهور الحواس الأساسية كفقدان السمع والبصر، وهي عوامل باتت مؤكدة التأثير على صحة العقل.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الأمراض مجتمعة قد تكون المسؤولة عن ملايين الحالات المسجلة عالميًا، حيث برزت أمراض اللثة واضطرابات الكبد والسكري كأكثر العوامل خطورة، ورغم أن هذه النتائج لا تجزم بوجود سبب واحد مباشر، إلا أنها تفتح باب الأمل أمام استراتيجيات وقائية فعالة؛ فالحفاظ على صحة الأعضاء الحيوية وعلاجها مبكرًا يمثل خط دفاع أول لحماية الشبكات العصبية في المخ.
وفي ضوء هذه الحقائق، يشدد الخبراء على ضرورة تبني سياسات صحية تركز على الوقاية الشاملة، بدءًا من العناية الفائقة بصحة الفم والأسنان، لا سيما لدى كبار السن، وتفعيل برامج التحصين ضد فيروسات الكبد، وصولًا إلى الإدارة الحكيمة للأمراض المزمنة وتجنب مسببات التلف الكبدي، فمثل هذه الإجراءات البسيطة نسبيًا قد تكون طوق نجاة لملايين البشر.
وتكتسب هذه التوصيات أهمية قصوى عند النظر إلى المستقبل بقلق، في ظل توقعات تشير إلى تضاعف أعداد المصابين بالتدهور العقلي بشكل هائل خلال العقود القادمة، حيث يُنتظر أن تتجاوز الأرقام حاجز المائة وخمسين مليون مصاب بحلول منتصف القرن الحالي، مما يجعل من الخرف تحديًا صحيًا عالميًا وأحد المسببات الرئيسية للوفاة في دول عديدة، وهو ما يستدعي تحركًا عاجلاً للربط بين صحة الجسد وسلامة العقل.
التعليقات