يمثل الثاني والعشرون من مارس محطة بارزة في الذاكرة الرياضية، حيث شهد عام 1922 ميلاد أيقونة متعددة المواهب أثرت الساحة الكروية لاعباً وإدارياً وصوتاً لا يُنسى. نتحدث عن القامة الكبيرة علي زيوار، الذي نال شهادته في العلوم العسكرية منتصف الأربعينيات، وارتدى قميص القلعة الحمراء لسنوات قبل أن يودع الملاعب أواخر العقد ذاته. لم تبتعد خطواته عن العشب الأخضر بعد الاعتزال، بل اتخذ مسارات مختلفة تنقلت بين إطلاق صافرة التحكيم، وصولاً إلى قيادة الدفة الإدارية كمسؤول أول عن الكرة بالنادي الأهلي لثماني سنوات متتالية انتهت في منتصف الستينيات.

بالتزامن مع مهامه الإدارية، اكتشف زيوار شغفاً جديداً قاده ليتربع على عرش “كبار المعلقين”. ففي أواخر الخمسينيات، أمسك بالميكروفون ليبدأ رحلة استمرت عقوداً، محفورة في أذهان عشاق المستطيل الأخضر. ورغم أن بداياته كانت هادئة، إلا أن نجمه سطع بشدة وتوهجت شعبيته خلال حقبة السبعينيات، ليصنع لنفسه مدرسة تعليقية متفردة تنتمي للزمن الجميل. تميزت مدرسته بعفوية طاغية وتعبيرات شعبية محببة ما زالت تتردد حتى اليوم، فمن منا لا يتذكر كلماته العذبة حين يطرب للأداء قائلاً “يا ولد يا ولد يا ولد”، أو إعجابه الشديد بالمهارات معقباً بـ “إيه الحلاوة دي” و”إيه الطعامة دي”، وصولاً إلى تعبيره الصادق عن الملل بعبارته الشهيرة بأنه غير مستمتع بأحداث اللقاء الباهتة.

لم تخلُ مسيرته خلف الميكروفون من المواقف العفوية والكوميدية التي تعكس بساطته وقربه من الناس. يتذكر المتابعون تلك اللحظة الطريفة حين كان يصف مباراة لكرة القدم النسائية، وبدلاً من التركيز على الخطط الفنية، استرسل في الدعاء للاعبة تستعد لتنفيذ ركلة حرة، متمنياً لها التوفيق في اجتياز امتحانات الثانوية العامة بعد إخفاقها في مادتين سابقتين. وإلى جانب خفة ظله، عُرف باعتزازه الشديد بنفسه وثقافته، وهو ما تجلى بوضوح خلال تغطيته لبطولة كأس العالم بإسبانيا؛ حينها أصر على نطق اسم النجم البرازيلي “فالكاو” بحرف السين بدلاً من الكاف. وعندما واجهه الناقد الرياضي البارز نجيب المستكاوي مصححاً هذه الهفوة اللغوية، رفض زيوار التراجع وتمسك برأيه بشدة، مستنداً إلى مقولته المأثورة بأنه من “أصحاب اللغات” ويدرك خبايا النطق أكثر من غيره.

ظلت حنجرة زيوار تصدح بوصف المباريات وإمتاع الجماهير حتى اضطرته ظروفه الصحية القاسية للابتعاد تدريجياً عن كبائن التعليق في تسعينيات القرن الماضي. وبعد رحلة حافلة بالعطاء وتاريخ ممتد عبر ملاعب كرة القدم ومقاعد الإدارة ومسارات البث المباشر، أسدل الستار على حياة هذا الرمز الرياضي الخالد في الثامن من أكتوبر لعام 2005، إثر بلوغه الثالثة والثمانين من العمر، تاركاً خلفه إرثاً صوتياً وإدارياً يجعله حياً في قلوب كل من عاصر فنه.