في عالم كرة القدم، لا يُقاس الانتماء أو النجاح دائمًا بالبقاء داخل جدران نادٍ واحد، فهناك صنف من اللاعبين اختاروا حياة الترحال نهجًا لمسيرتهم، يتنقلون من ملعب لآخر حاملين في جعبتهم خبرات متراكمة وشغفًا لا ينطفيء. هؤلاء النجوم، الذين يمكن وصفهم بـ “طيور الملاعب المهاجرة”، استطاعوا ترك بصمات لا تُمحى في كل محطة توقفوا بها، جاعلين من تعدد تجاربهم قصة نجاح فريدة تتجاوز حدود القميص الواحد.
ويُعد المهاجم المصري المخضرم عمرو زكي نموذجًا مثاليًا لهذه المسيرة الحافلة بالتنقلات والتحديات؛ فابن مدينة المنصورة الذي بزغ نجمه مطلع الألفية الجديدة، لم يلبث أن لفت الأنظار بقوته البدنية الهائلة، لينتقل بعدها إلى صفوف نادي إنبي. وهناك، كتب أول سطور المجد عندما قاد الفريق البترولي، تحت إشراف المدرب القدير الراحل طه بصري، لانتزاع لقب كأس مصر من أنياب الاتحاد السكندري، معلنًا عن مولد هداف من طراز رفيع.
لم يكتفِ “البلدوزر” بالنجاح المحلي، فخاض مغامرة قصيرة في الأجواء الروسية مع لوكوموتيف موسكو، قبل أن يعود ليحط رحاله في القلعة البيضاء. ومع الزمالك، عاش زكي فترات ذهبية توجها برفع كأس مصر مجددًا، في مفارقة درامية سجل خلالها هدف الحسم في شباك فريقه السابق إنبي، ليثبت أن ولاءه دائمًا للشعار الذي يرتديه في اللحظة الراهنة.
ولعل المحطة الأكثر بريقًا في كتاب مسيرته كانت تلك التي سطرها في الدوري الإنجليزي الممتاز، حينما ارتدى قميص ويجان أتلتيك. فقد نجح زكي في هز شباك كبار “البريميرليج” بعشرة أهداف، نال بها إشادات واسعة وذاع صيته عالميًا، قبل أن يخوض تجارب أخرى في إنجلترا مع هال سيتي، وفي تركيا رفقة إلازيغ سبور، ليجمع بذلك خبرات احترافية متنوعة المدارس.
وفي الفصول الأخيرة من حكايته الكروية، واصل زكي ترحاله بين الدوريات العربية، متنقلًا ما بين السالمية الكويتي، والرجاء البيضاوي في المغرب، والعهد اللبناني، مع عودة خاطفة لإنبي، قبل أن يقرر تعليق حذائه وإنهاء مشواره الكروي بقميص “ذئاب الجبل” في نادي المقاولون العرب عام 2015.
أما على المستوى الدولي، فقد كان عمرو زكي ركنًا أساسيًا في الجيل الذهبي للفراعنة؛ حيث خاض عشرات المباريات التي سجل خلالها ثلاثين هدفًا وضعته ضمن أساطير الهدافين في تاريخ المنتخب. ولن تنسى الجماهير المصرية لحظة دخوله بديلًا ليحرز هدف الفوز القاتل أمام السنغال في أمم أفريقيا 2006، أو تألقه اللافت في نسخة 2008 بغانا، حينما زار الشباك أربع مرات وتم اختياره ضمن التشكيلة المثالية للقارة، ليظل اسمه محفورًا كواحد من أبرز المهاجمين الذين عرفتهم الملاعب المصرية والأفريقية.
التعليقات