على الرغم من أن استخدام المحاليل المطهرة للفم يعتبر من الطقوس الأساسية التي يواظب عليها الملايين يوميًا سعيًا للحصول على أنفاس منعشة وشعور بالنظافة العميقة، إلا أن الأوساط الطبية بدأت مؤخرًا في تسليط الضوء على جانب خفي ومقلق لهذه العادة. فقد نبه خبراء في طب الأسنان، وعلى رأسهم طبيب أمريكي يمتلك خبرة واسعة تمتد لعقود، إلى أن الهوس بالتعقيم المفرط للفم قد يكون سببًا غير مباشر في الإضرار بصحة القلب والأوعية الدموية، حيث اتضح أن هذه المنتجات لا تكتفي بالقضاء على الجراثيم الضارة فحسب، بل تفتك أيضًا بالكائنات الدقيقة الصديقة التي يحتاجها الجسم لأداء وظائف حيوية بالغة الأهمية.
يكمن جوهر المشكلة في الآلية التي تعمل بها هذه الغسولات الكيميائية، فهي تحدث خللًا في التوازن البيولوجي داخل الفم من خلال إبادة البكتيريا النافعة المسؤولة عن تحويل النترات الموجودة في الأطعمة النباتية إلى أكسيد النيتريك. ويُعد هذا المركب عنصرًا جوهريًا للحفاظ على مرونة الشرايين وتوسيعها، مما يضمن تدفق الدم بسلاسة واستقرار معدلات الضغط. وبالتالي، فإن القضاء على هذه “المصانع البيولوجية الصغيرة” في الفم قد يؤدي إلى تصلب الأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم، مما يضعف من قدرة الجسم الطبيعية على حماية القلب وتنظيم مستويات الأنسولين.
وتدعم الأبحاث العلمية هذه التحذيرات بأرقام مثيرة للاهتمام، حيث كشفت دراسات موسعة شملت مئات المشاركين عن وجود رابط وثيق بين الاستخدام المفرط للمطهرات الفموية وزيادة احتمالية الإصابة باضطرابات التمثيل الغذائي ومرض السكري. بل إن بعض النتائج أشارت إلى أن الفوائد القلبية التي يجنيها الإنسان من ممارسة الرياضة قد تتبدد بنسبة كبيرة إذا ما تم استخدام غسول الفم عقب التمرين مباشرة، نظرًا لتعطيله العمليات الفسيولوجية التي تخفض الضغط بعد المجهود البدني، وهو ما يجعل مستخدمي هذه المنتجات مرتين يوميًا أكثر عرضة لمخاطر ارتفاع ضغط الدم بشكل ملحوظ مقارنة بغيرهم.
بناءً على هذه المعطيات، باتت التوصيات الطبية تميل نحو العودة إلى الأساليب التقليدية والأكثر أمانًا للعناية بصحة الفم، حيث ينصح المختصون بتقليل الاعتماد على الغسولات الكيميائية القوية، خاصة للأشخاص الذين لديهم تاريخ مرضي أو استعداد للإصابة بمشاكل قلبية. وبدلًا من ذلك، يتم التشديد على أهمية التنظيف الميكانيكي الدقيق باستخدام الفرشاة وخيط الأسنان، كوسيلة فعالة تضمن نظافة الفم دون الإخلال بالنظام البيئي البكتيري الذي يلعب دورًا حارسًا لصحة الدورة الدموية والجسم بشكل عام.
التعليقات