يواجه الكثيرون صدمة حقيقية عند الوقوف على الميزان، إذ لا تعكس الأرقام حجم الجهد المبذول في الحرمان من الطعام واتباع حميات قاسية تعد بنتائج سريعة، وهو ما يفسره خبراء التغذية بأن عملية فقدان الوزن منظومة معقدة لا تعتمد فقط على تقليل الطعام، بل تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية وسلوكية؛ فالحميات التي تركز على النتائج السريعة غالبًا ما تكون غير مستدامة وتؤدي إلى انتكاسة سريعة بمجرد التوقف عنها، مما يدخل الشخص في دوامة لا تنتهي من فقدان الوزن واكتسابه مجددًا.
من أبرز المغالطات التي يقع فيها الراغبون في التنحيف هي المبالغة في خفض السعرات الحرارية، حيث يتعامل الجسم مع هذا النقص الحاد كأنه حالة مجاعة، فيلجأ لآلية دفاعية تتمثل في إبطاء معدلات الحرق وزيادة الشعور بالجوع، لذا يُنصح بتقليص السعرات بشكل معتدل لا يتجاوز 500 سعرة يوميًا لضمان استمرار الحرق، وبالتوازي مع ذلك، يلعب التكوين الغذائي للوجبة دورًا حاسمًا، فإهمال البروتين يحرم الجسم من معززات الشبع الطبيعية التي تضبط الهرمونات المسؤولة عن الجوع والامتلاء، كما أن تجاهل الألياف الموجودة في الحبوب الكاملة والخضروات يحرم الجهاز الهضمي من تنظيم مستويات السكر في الدم، وهو عامل أساسي للتحكم في الشهية.
وفي كثير من الأحيان، يكمن السبب وراء ثبات الوزن في التفاصيل الصغيرة التي نغفل عنها، مثل “السعرات الخفية” التي نتناولها دون وعي أثناء تحضير الطعام أو عند شرب المشروبات المحلاة والعصائر والقهوة الغنية بالإضافات، والتي قد تشكل نسبة كبيرة من المدخول اليومي دون أن نشعر، يضاف إلى ذلك خطأ شائع يتعلق بتقدير أحجام الحصص الغذائية، خاصة النشويات كالأرز والمكرونة، مما يستدعي استخدام أدوات قياس دقيقة حتى تعتاد العين على الكميات المناسبة، كما أن الوقوع في فخ “عطلة نهاية الأسبوع” عبر تناول الطعام بشراهة بعد أسبوع من الانضباط كفيل بنسف كل الجهود السابقة، فالاستمرارية والمرونة أهم من الحرمان المتقطع.
لا يمكن حصر معركة خسارة الوزن داخل المطبخ فقط، فنمط الحياة يلعب دورًا محوريًا لا يقل أهمية عن الغذاء؛ إذ يؤدي التركيز حصريًا على تمارين “الكارديو” وإهمال تمارين المقاومة إلى فقدان الفرصة لبناء كتلة عضلية ترفع من معدل الأيض الأساسي، كذلك يرتبط توقيت تناول الطعام بشكل وثيق بالساعة البيولوجية للجسم، حيث تشير الأدلة إلى أن تناول الوجبات في وقت مبكر من النهار يعزز النتائج مقارنة بالأكل المتأخر، ولا يجب إغفال دور النوم، فالحصول على قسط كافٍ لا يقل عن سبع ساعات يعد ضروريًا لضبط هرمونات الجوع والشبع التي تضطرب بشدة مع السهر.
أخيرًا، تتأثر استجابة الجسم وعمليات الأيض بصحة الأمعاء وتوازن البكتيريا النافعة فيها، وهو ما يمكن تحسينه عبر الأطعمة المخمرة والألياف، ومن الناحية النفسية، يعتبر الاعتماد الكلي على “قوة الإرادة” استراتيجية هشة، حيث أن غالبية قراراتنا الغذائية نابعة من عادات لاواعية؛ لذا فإن الحل الأمثل يكمن في فهم المحفزات النفسية وتعديل العادات ببطء وذكاء بدلاً من قسوة التعامل مع الذات عند الخطأ.
التعليقات