يُعاني قطاع عريض من الناس، سواء كانوا صغاراً أو كباراً، من حالة صحية شائعة تتسلل إليهم غالباً دون أن يدركوا أبعادها الحقيقية، وهي ما يُعرف بفقر الدم أو الأنيميا. تتلخص هذه الحالة جوهرياً في عجز الدم عن أداء وظيفته الحيوية المتمثلة في نقل الأكسجين إلى كافة أنسجة الجسم بكفاءة، وذلك نتيجة انخفاض معدلات الهيموجلوبين أو تراجع عدد كريات الدم الحمراء عن المستويات الطبيعية، مما يؤدي بالتبعية إلى شعور عام بالوهن وضعف الطاقة الجسدية.
تتعدد صور هذه المشكلة الصحية ولا تقتصر على شكل واحد؛ فالنوع الأكثر انتشاراً يرتبط عادةً بنفاد مخزون الحديد في الجسم، بينما توجد أنواع أخرى تعود لنقص فيتامينات أساسية مثل “ب12” وحمض الفوليك. وإلى جانب ذلك، تلعب العوامل الوراثية دوراً في حالات مثل “الثلاسيميا”، أو قد يحدث تكسر في خلايا الدم لأسباب مرضية مختلفة، ناهيك عن تأثير الأمراض المزمنة كالتهابات الكلى التي قد تحفز ظهور الأنيميا. وعادةً ما تنشأ هذه الحالات نتيجة مسببات متنوعة، أبرزها افتقار النظام الغذائي للعناصر المغذية، أو فقدان كميات مؤثرة من الدم كما يحدث للنساء في حالات الدورات الشهرية الغزيرة، بالإضافة إلى الأعباء الجسدية التي يفرضها الحمل والرضاعة، أو وجود اضطرابات هضمية تعيق امتصاص الجسم للمعادن والفيتامينات بفعالية.
تظهر على المصاب علامات جسدية قد تتفاوت في حدتها بين الخفيفة والشديدة، حيث يشكو الكثيرون من إعياء دائم لا يزول بمجرد الراحة، مع ملاحظة شحوب واضح في لون البشرة وبرودة في اليدين والقدمين. وقد تتطور الأعراض لتشمل نوبات من الدوار، وصداعاً مستمراً، وتسارعاً غير مبرر في نبضات القلب مصحوباً بضيق في التنفس، إلى جانب ضعف القدرة على التركيز ومظاهر أخرى مثل تكسر الأظافر وتساقط الشعر. وتعتبر النساء، خصوصاً في سن الإنجاب والحوامل، بالإضافة إلى الأطفال في مراحل النمو وكبار السن، هم الفئات الأكثر استهدافاً بهذه الأعراض، مما يستدعي انتباهاً خاصاً لحالتهم الصحية.
للوقوف على حقيقة الإصابة، يلجأ الأطباء إلى الفحوصات المخبرية الدقيقة، وعلى رأسها تحليل صورة الدم الكاملة وقياس مخزون الحديد والفيتامينات في الجسم. وبناءً على النتائج التشخيصية، يتم رسم الخطة العلاجية التي قد تقتصر أحياناً على تعديل النمط الغذائي وتناول المكملات الدوائية لتعويض النقص، أو قد تتطلب تدخلاً طبياً أعمق لعلاج المسبب الرئيسي كالنزيف الداخلي أو الأمراض المزمنة، في حين قد تستدعي الحالات المتأخرة إجراءات عاجلة مثل نقل الدم لتفادي المخاطر.
تكمن الحماية الحقيقية في تبني نمط حياة وقائي وواعي يركز على إثراء المائدة بأطعمة غنية بالحديد كاللحوم الحمراء والكبد والبقوليات والسبانخ، مع الحرص على دمج مصادر فيتامين “سي” لتعزيز قدرة الجسم على الامتصاص، وتجنب العادات الغذائية الخاطئة مثل شرب المنبهات كالشاي والقهوة فور الانتهاء من الوجبات. ومن الضروري عدم التهاون مع هذه الحالة أو تجاهلها، إذ إن ترك فقر الدم دون علاج قد يفتح الباب لمضاعفات صحية جسيمة تؤثر سلباً على كفاءة عضلة القلب والجهاز المناعي، وقد تتسبب في تأخر النمو البدني لدى الأطفال.
التعليقات