عاد شبح المخاوف الصحية ليخيم من جديد على المشهد العالمي، عقب رصد بؤر إصابة محدودة في القارة الآسيوية لمرض فيوسي فتاك تتخذه الخفافيش حاضنة طبيعية له، وهو ما استدعى من الذاكرة سيناريوهات لأوبئة سابقة بدأت شرارتها بحالات فردية قبل أن تتفاقم لتصبح تهديدًا عابرًا للحدود. ورغم أن الوضع الراهن لا يزال ضمن النطاق المحدود، إلا أن مكمن الخطر الحقيقي لهذا الفيروس يتجسد في قدرته العالية على الفتك بالمصابين، وصعوبة تشخيصه في المراحل الأولى نظرًا لتماهي أعراضه الأولية مع نزلات البرد العادية والإنفلونزا الموسمية، مما يجعل اكتشافه تحديًا طبيًا حقيقيًا.
يُعرف هذا العامل الممرض باسم “فيروس نيباه”، وهو عدوى حيوانية المصدر تنتقل أساسًا من الحيوان إلى الإنسان، وتعد خفافيش الفاكهة المستودع الرئيسي الحاضن له. ولم يكن هذا الفيروس غريبًا عن السجلات الطبية، فقد سُجل ظهوره الأول في نهايات القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين تكرر رصده في هيئة تفشيات متفرقة ضربت دولًا مثل الهند وماليزيا وبنجلاديش وإندونيسيا. ولا ينبع القلق الطبي العالمي من سرعة انتشاره بقدر ما ينبع من شراسة المرض ذاته والتدهور المتسارع الذي يلحقه بصحة المصاب، حيث تتعدد طرق انتقال العدوى لتشمل الاحتكاك المباشر بالخفافيش أو فضلاتها، أو عبر استهلاك ثمار وعصائر -مثل عصير النخيل- تلوثت بسوائل تلك الخفافيش، وأحيانًا ينتقل عبر حيوانات وسيطة كالخنازير، أو حتى بين البشر مباشرة في بيئات كالمستشفيات أو بين أفراد العائلة الواحدة.
تكمن خطورة “نيباه” في غياب أي علاج نوعي حاسم أو لقاح معتمد للوقاية منه حتى اللحظة، بالإضافة إلى معدلات وفاة قد تتجاوز نصف عدد المصابين في بعض الموجات، فضلًا عن فترة حضانة غير ثابتة قد تؤخر اكتشاف الإصابة. وتبدأ الرحلة المرضية عادة بشكل مخادع، حيث يشكو المريض من حمى وصداع وآلام عضلية تشبه الإرهاق العام، لكن سرعان ما تأخذ الأمور منحنى خطيرًا يتسم بدوار واضطراب في الوعي، قد يتطور إلى التهاب دماغي حاد وتشنجات عصبية، تنتهي في كثير من الأحيان بغيبوبة أو صعوبات تنفسية قاتلة خلال أيام معدودة.
وفي حين يربط البعض بين هذا الفيروس وبين وباء كورونا، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن “نيباه” أقل قدرة على الانتشار الواسع لكنه أشد فتكًا، مما جعله يتصدر قوائم المراقبة لدى المنظمات الصحية الدولية. وتزداد احتمالية الإصابة لدى فئات محددة، أبرزهم المتعاملون مع الحيوانات، والطواقم الطبية التي تفتقر للحماية الكافية، وسكان المناطق الريفية المتاخمة لموائل الخفافيش. ولأن الوقاية هي خط الدفاع الوحيد المتاح حاليًا، يوصى بشدة بغسل الفواكه بعناية فائقة، وتجنب العصائر الخام في المناطق الموبوءة، والابتعاد عن الخفافيش، مع ضرورة عزل أي حالة تظهر عليها أعراض عصبية مفاجئة مصحوبة بحمى، خاصة إذا كان المريض قد سافر مؤخرًا لمناطق ظهر فيها الفيروس، حيث يستوجب الأمر تدخلًا طبيًا عاجلًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
التعليقات