أثارت الأنباء الأخيرة الواردة من الهند حالة من التأهب الصحي الواسع، وذلك عقب اكتشاف بؤر إصابة جديدة بفيروس “نيباه”، مما جدد المخاوف العالمية من احتمالية حدوث موجات وبائية مباغتة. ويُصنف هذا العامل الممرض ضمن الأمراض المشتركة التي تتجاوز الحواجز بين الكائنات الحية، حيث تعتبر خفافيش الفاكهة، أو ما يُعرف بالثعالب الطائرة، الحاضن الطبيعي له والمسؤول الأول عن نقله إلى الحيوانات والبشر على حد سواء. وفي خضم هذه الأحداث، جاءت التطمينات الرسمية بشأن الوضع الداخلي في مصر، حيث أكدت الجهات المعنية خلو البلاد تمامًا من أي إصابات بهذا الفيروس، نافية ظهور أي أوبئة مستجدة، مما يبعث على الاطمئنان محليًا في الوقت الراهن.
وتعود جذور قصة انتقال هذا المرض إلى حالات تفشٍ لُوحظت أول مرة بين أشخاص خالطوا خنازير مريضة، حيث تبين لاحقًا أن الخفافيش نقلت العدوى لتلك الحيوانات، ومنها وصلت إلى البشر. وتكمن خطورة الانتشار في السوائل الحيوية للجسم؛ إذ يكفي ملامسة لعاب أو دم أو مخلفات حيوان مصاب لنقل العدوى لكائن آخر. كما يمتد الخطر ليشمل مصادر الغذاء، لا سيما عصارة النخيل الخام أو الفواكه التي قد تكون تلوثت بإفرازات الخفافيش، وحتى ممارسات مثل تسلق الأشجار التي تتخذها الخفافيش مأوى قد ترفع احتمالية الإصابة. وبمجرد استقرار الفيروس في جسم الإنسان، يتحول الشخص نفسه إلى مصدر للعدوى، قادرًا على نقلها للآخرين عبر الاتصال المباشر وسوائل الجسم.
تتفاوت مظاهر المرض السريرية بشكل كبير، حيث تمتد فترة حضانة الفيروس عادةً ما بين أربعة أيام وأسبوعين قبل أن تبدأ العلامات بالظهور. غالبًا ما تستهل الرحلة المرضية بأعراض عامة تشبه الأنفلونزا، كالحمى الشديدة، وآلام الرأس، وآلام العضلات المصحوبة بوهن شديد، بالإضافة إلى اضطرابات في الجهاز الهضمي كالقيء والإسهال. ومع تطور الحالة، قد يعاني المصاب من مشكلات تنفسية واضحة تشمل السعال وضيق التنفس والتهاب الحلق. وفي السيناريوهات الأكثر خطورة، يهاجم الفيروس الجهاز العصبي مسببًا التهابًا دماغيًا قد يهدد الحياة، وتتمثل مؤشراته التحذيرية في التشوش الذهني، وفقدان الاتجاه، وصعوبة النطق، ونوبات تشنج قد تنتهي بغيبوبة كاملة، مع العلم بأن حدة الأعراض تختلف من شخص لآخر، وقد يكون البعض حاملًا للفيروس دون ظهور أي علامات.
وفي ظل غياب علاج نوعي حاسم للقضاء على الفيروس حتى الآن، يركز الأطباء وخبراء الصحة العامة جهودهم على محوري الوقاية والرعاية الداعمة. وتتمثل سبل الحماية الأساسية في الالتزام الصارم بالنظافة الشخصية وغسل اليدين باستمرار، وتجنب مناطق تعشيش الخفافيش أو الاحتكاك بالحيوانات المريضة، والابتعاد عن استهلاك المنتجات الغذائية الخام التي قد تكون ملوثة. أما من الناحية العلاجية، فيتم التعامل مع الأعراض لتخفيف وطأتها، من خلال الحفاظ على توازن السوائل في الجسم لمنع الجفاف، واستخدام الأدوية للسيطرة على الحرارة والألم، وتوفير الدعم التنفسي الميكانيكي أو الأكسجين للحالات الحرجة. ولحصار العدوى ومنع تفشيها، يعد عزل المصابين في بيئات طبية مجهزة، والتزام الطواقم الطبية بارتداء معدات الوقاية الكاملة، وفرض المراقبة الصحية الدقيقة على المخالطين، خطوات جوهرية لكسر سلسلة الانتشار.
التعليقات