ألقى ظهور فيروس “نيباه” بظلال قاتمة على المشهد الصحي العالمي، مثيراً مخاوف جدية لدى الأوساط الطبية نظراً لفتكه الشديد وغياب أي درع وقائي مؤكد سواء كان لقاحاً أو علاجاً نوعياً حتى الآن. وتزداد حدة القلق مع قدرة هذا العامل الممرض على تجاوز الحواجز البيولوجية، منتقلاً من الحيوانات إلى البشر، بل وبين البشر أنفسهم، في وقت يحذر فيه العلماء من أن الاضطرابات المناخية وتآكل الموائل الطبيعية قد يفاقمان من فرص انتشاره، مما يحول أي بؤرة صغيرة إلى تهديد يتربص بالعالم بأسره.

وقد شكلت الحالات التي رُصدت مؤخراً في ولاية البنغال الغربية بالهند جرس إنذار وضع المجتمع الدولي في حالة تأهب قصوى، فعلى الرغم من نجاح السلطات في محاصرة العدوى، إلا أن الرعب الكامن من هذا الفيروس دفع العديد من الدول، خاصة في القارة الآسيوية، إلى تشديد الرقابة في منافذها الحدودية والمطارات. وتعكس هذه الإجراءات الاحترازية الصارمة خشية عميقة من ممرض لا يزال غامضاً للكثيرين، ولكنه يمتلك سجلاً مرعباً في سرعة الفتك بضحاياه.

ويُصنف هذا الفيروس ضمن الأمراض المشتركة التي تجد مستودعها الطبيعي في خفافيش الفاكهة، وقد عُرف لأول مرة في أواخر التسعينيات بماليزيا، ليصبح بعدها زائراً ثقيلاً ومتكرراً لجنوب وجنوب شرق آسيا. وتحدث العدوى عادةً عبر مسارات متعددة، تشمل تناول ثمار ملوثة أو شرب عصارة نخيل التمر النيئة التي عبثت بها الخفافيش، فضلاً عن إمكانية انتقال العدوى عبر الاحتكاك المباشر بالحيوانات المصابة أو مخالطة المرضى، مما يجعله خطراً مزدوجاً يهدد المجتمعات الريفية والحضرية على حد سواء.

وتكمن خطورة هذا المرض في شراسته السريرية؛ إذ تشير البيانات الطبية إلى أن معدلات الوفيات قد تصل إلى مستويات قياسية تتجاوز ثلاثة أرباع المصابين في بعض التفشيات. وتبدأ الأعراض غالباً بمظاهر تشبه الأنفلونزا العادية، مما يجعل التشخيص المبكر تحدياً معقداً، قبل أن تتطور الحالة بسرعة دراماتيكية لتسبب مشكلات تنفسية حادة والتهاباً دماغياً قد يودي بحياة المريض. ولهذا السبب، وضعت المنظمات الصحية الدولية “نيباه” على رأس قائمة الأولويات، معتبرة أن ظهور حالة واحدة فقط يستدعي استنفاراً شاملاً وتتبعاً دقيقاً للمخالطين لمنع تحول الشرارة إلى وباء.

وفي ظل غياب بروتوكول علاجي معتمد عالمياً، تسابق المؤسسات البحثية الزمن لإيجاد حلول جذرية، حيث تجري جامعات عالمية مرموقة تجارب سريرية متقدمة لتطوير لقاح فعال. وإلى حين توفر هذا الحل، يعتمد الأطباء على الرعاية الداعمة المكثفة واستخدام بعض مضادات الفيروسات التي أظهرت نتائج متفاوتة في تجارب سابقة، في محاولة لإنقاذ الأرواح وتقليل حدة المضاعفات لدى المصابين، استناداً إلى توصيات الهيئات الصحية الكبرى.

وأمام هذه التحديات، تبقى التدابير الوقائية الصارمة هي خط الدفاع الأول والأنجع؛ حيث أثبتت استراتيجيات العزل الصحي وتتبع المخالطين كفاءتها في كبح جماح الانتشار. ويؤكد الخبراء أن الوقاية تتطلب نمط حياة يعزز النظافة الشخصية، والابتعاد عن الازدحام، وضمان تهوية جيدة، بالإضافة إلى ضرورة حماية مصادر الغذاء من التلوث الحيواني، لا سيما منع وصول الخفافيش إلى المنتجات الزراعية الطازجة، لضمان بقاء هذا التهديد تحت السيطرة ومنع تكرار المآسي الصحية.