ينظر الكثيرون إلى النوم بوصفه مجرد وسيلة لاستعادة النشاط ومحاربة الإرهاق، إلا أن الحقائق الطبية تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ فالنوم يمثل حجر الزاوية في الحفاظ على التوازن البيوكيميائي للجسم، وخاصة فيما يتعلق بصحة القلب وسلامة الشرايين. تشير الأبحاث المتخصصة إلى وجود علاقة وثيقة ومقلقة بين الحرمان المستمر من الراحة الليلية واضطراب مستويات الدهون في الدم، حيث يؤدي القصور في عدد ساعات النوم إلى إحداث فوضى في تركيبة الدهون، مما يرجح كفة الكوليسترول الضار الذي يتراكم على جدران الأوعية الدموية، مقابل تراجع نسب الكوليسترول النافع الذي يلعب دورًا وقائيًا، وهو ما يمهد الطريق للإصابة بتصلب الشرايين ومشاكل القلب التاجية، خصوصًا لدى أولئك الذين لا يتجاوز نومهم ست ساعات يوميًا.
لا تتوقف التداعيات السلبية للأرق عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل إحداث خلل جوهري في المنظومة الهرمونية للجسم؛ فغياب النوم الكافي يؤدي إلى استنفار هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، واضطراب إشارات الجوع والشبع عبر زيادة هرمون الغريلين وتراجع هرمون الليبتين. هذا الاختلال الهرموني يدفع الجسم نحو تخزين الدهون وزيادة الوزن، مما يفاقم بدوره من مشكلة ارتفاع الكوليسترول. علاوة على ذلك، يؤثر السهر سلبًا على العمليات الجينية المسؤولة عن تنظيم التمثيل الغذائي، مما يرفع من حدة الالتهابات الداخلية ويعيق قدرة الجسم على التخلص من الدهون الثلاثية، لتظل عالقة في مجرى الدم مسببة مخاطر صحية إضافية.
ومن المثير للاهتمام أن تأثيرات عادات النوم السيئة لا تظهر فجأة في سن متأخرة، بل قد تبدأ جذورها منذ مرحلة المراهقة؛ فقد تبين أن الشباب الذين يعانون من اضطرابات النوم هم أكثر عرضة لمواجهة مشاكل الكوليسترول عند البلوغ، مما يؤكد أن النوم الجيد هو استثمار طويل الأمد في صحة القلب. فخلال ساعات الليل، ينخرط الجسم في عمليات ترميم واسعة النطاق للخلايا والأنسجة، ويعمل على ضبط ضغط الدم وإعادة التوازن للعمليات الحيوية، وأي تعطيل لهذه الدورة الطبيعية يرفع من احتمالات تكوّن اللويحات الدهنية والإصابة بالأمراض المزمنة كالسكري وأمراض القلب.
ولضمان الاستفادة القصوى من النوم كدرح واقٍ ضد هذه المخاطر، يوصي المختصون بتبني نمط حياة صحي يعتمد على الالتظام بجدول نوم ثابت يتراوح بين سبع وتسع ساعات يوميًا، مع الحرص على تثبيت مواعيد الاستيقاظ حتى في أيام العطلات لضبط الساعة البيولوجية. كما يُنصح بتهيئة بيئة نوم مثالية من خلال الابتعاد عن الوجبات الدسمة والأجهزة الإلكترونية قبل التوجه للفراش، بالتزامن مع ممارسة النشاط البدني بانتظام، لكونه عاملاً مساعدًا في تحسين جودة النوم وتعزيز قدرة الجسم على حرق الدهون بفعالية.
التعليقات