يشير الدكتور أحمد أمين، المتخصص في شؤون العلاقات الإنسانية، إلى خطورة ما يمكن تسميته بالعنف الصامت داخل الأسرة، والمتمثل في ممارسة الآباء للقهر النفسي على أبنائهم، موضحًا أن هذا السلوك وإن كان خاليًا من الكدمات الجسدية، فإنه يترك ندوبًا غائرة في الروح تمتد آثارها لسنوات طويلة، وغالبًا ما يختبئ هذا التسلط خلف مبررات واهية مثل “التربية الحازمة” أو “الخوف الزائد”، بينما هو في حقيقته معول هدم لشخصية الطفل واستقراره الوجداني، حيث يتحول الحب في هذا السياق إلى سلعة مشروطة بالطاعة العمياء، ويُصادر حق الصغير في التعبير عن ذاته أو إبداء رأيه، ليجد نفسه محاصرًا في بيئة تربط القبول بالخضوع التام وتلغي لغة الحوار.
وتتعدد الأوجه التي يظهر بها هذا القمع الأسري، فهو لا يتوقف عند حدود الإيذاء اللفظي المباشر، بل يتمدد ليشمل سلوكيات أكثر عمقًا وتأثيرًا، مثل السخرية الدائمة من أحاسيس الطفل والتقليل من شأن قدراته، أو وضعه في مقارنات ظالمة مع أقرانه وإخوته، فضلًا عن مصادرة حقه في الاختيار وفرض الوصاية الكاملة على قراراته الشخصية، ويمتد الأمر إلى استخدام الابتزاز العاطفي عبر التهديد بالحرمان من الحب، وإجبار الابن على كبت مشاعر الغضب أو الحزن، مما يزرع بداخله بذور الاضطراب، ويؤدي إلى تآكل تقديره لذاته، فينشأ فاقدًا للثقة، مسكونًا بقلق دائم وخوف من الوقوع في الخطأ، وقد يتطور الأمر إلى نوبات اكتئاب وفقدان للإحساس بالأمان، مع عجز واضح عن اتخاذ القرارات وميل للاعتمادية المفرطة على الغير.
ولا تتوقف تداعيات هذه التنشئة عند مرحلة الطفولة، بل تنتقل مع الإنسان إلى مرحلة النضج، حيث يجد هؤلاء الأبناء أنفسهم في صراع مرير بين رغبتهم الفطرية في الاستقلال وخوفهم المتجذر من الرفض، ويواجهون صعوبات بالغة في رسم حدود صحية لعلاقاتهم مع الآخرين، مما قد يوقعهم في فخ تكرار مأساة القهر سواء على أنفسهم أو على من حولهم، وتضطرب حياتهم المهنية والاجتماعية نتيجة لهذا الإرث النفسي الثقيل؛ لذا يشدد خبير العلاقات الإنسانية على ضرورة التفريق بوضوح بين الرعاية التي تقوم على التوجيه والاحترام، وبين السيطرة التي تقوم على الإلغاء، مؤكدًا أن الحماية الحقيقية لا تعني أبدًا خنق شخصية الابن.
وفي الختام، يرى الدكتور أمين أن السبيل لتجاوز هذه الأزمة يكمن في تبني نهج تربوي مغاير يعتمد على المصارحة وفتح قنوات تواصل حقيقية، واحترام المشاعر الإنسانية للطفل مهما بدت بسيطة، مع عدم التردد في طلب المشورة المتخصصة لترميم ما انكسر من ثقة، وتعلّم مهارات التعبير ووضع الحدود، داحضًا بذلك الخرافة القائلة بأن القسوة تصنع الرجال، ومؤكدًا أن البيئة الآمنة والمشبعة بالاحترام هي وحدها القادرة على تخريج شخصيات سوية ومتزنة قادرة على بناء مستقبل صحي.
التعليقات