بينما يعتبر العالم الأول من شهر يناير بمثابة نقطة الانطلاق الرسمية لعام جديد، حيث تضاء السماء بالألعاب النارية وتعلو أصوات العد التنازلي، فإن هذه اللحظة لا تمثل بداية التقويم للجميع. ففي زوايا متعددة من الكرة الأرضية، تخضع الاحتفالات لمنطق فلكي مختلف تمامًا، حيث تحدد الدورات القمرية والموروثات القديمة مواعيد الأعياد، متجاوزةً مظاهر الاحتفال التقليدية الحديثة لتغوص في طقوس عريقة تختلف جذريًا عما نألفه.
من أبرز هذه الاحتفالات رأس السنة الصينية، الذي لا يقتصر على ليلة واحدة، بل يتحول إلى موسم احتفالي ممتد يغطي خمسة عشر يومًا، وعادة ما يحل بين أواخر الشتاء وبداية الربيع وفقًا للتقويم القمري. يتميز هذا الحدث بطابع خاص يمزج بين البهجة والرمزية، حيث تكتسي الشوارع باللون الأحمر عبر الفوانيس المعلقة، وتخرج التنانين الراقصة في مسيرات مبهرة. يُنظر إلى هذه الفترة على أنها إعلان عن قدوم الربيع، وتلعب الأبراج الحيوانية دورًا محوريًا في استشراف ملامح المستقبل، مما يجعل تناول كميات وفيرة من الزلابية والاجتماع بالعائلة جزءًا لا يتجزأ من استقبال الحظ الجيد.
وعلى مقربة من تلك الأجواء، يأتي “سولال” أو رأس السنة الكورية، ليعبر عن روح العائلة والترابط الاجتماعي خلال فترة تمتد لثلاثة أيام في بدايات العام الميلادي. يبتعد هذا العيد عن الصخب ليركز على الطقوس المنزلية والألعاب الشعبية، مع وجود معتقد طريف وعميق يرتبط بحساء كعك الأرز التقليدي؛ حيث يُعتقد أن تناول طبق منه يضيف عامًا إلى عمر الشخص. يتمحور العيد حول تبادل الاحترام والبركات، إذ يقدم الصغار التحية للكبار ويتلقون في المقابل هدايا رمزية، مما يجعله مناسبة دافئة لتجديد الروابط الأسرية.
في المقابل، إذا اتجهنا صوب تايلاند في منتصف شهر أبريل، سنجد مفهومًا مختلفًا كليًا للتطهير وبدء العام الجديد من خلال مهرجان “سونغكران”. هنا، تتحول فكرة الغسل من الذنوب وسوء الطالع إلى واقع ملموس ومرح، حيث تندلع معارك المياه في كل مكان. لا أحد ينجو من البلل في هذه الأيام، فالماء هو الوسيلة لطرد الطاقة السلبية واستقبال العام بنقاء وحيوية، حيث يشارك الجميع، سياحًا ومحليين، في هذا الطقس الجماعي المنعش الذي يحيل الشوارع إلى ساحات للمرح المائي.
أما التجربة الأكثر تفرداً وهدوءاً، فهي تلك التي تقدمها جزيرة بالي في شهر مارس، حيث يُحتفل بـ “نيبي” أو يوم الصمت. على النقيض تمامًا من صخب العالم، تتوقف الحياة كليًا في الجزيرة لمدة أربع وعشرين ساعة؛ فلا طائرات تحلق، ولا ضجيج في الطرقات، وحتى الأضواء تُطفأ. يسبق هذا السكون التام طقوس لطرد الأرواح الشريرة، ليحل بعده يوم مخصص للتأمل ومراجعة النفس بعيدًا عن أي مؤثرات خارجية، مما يجعله الملاذ الأمثل لمن يبحث عن بداية روحانية صافية بعيدًا عن فوضى الحياة العصرية.
التعليقات