لسنوات طويلة، اعتمد المجتمع الطبي بشدة على معيار رياضي بسيط لتقييم صحة الأجساد، ألا وهو مؤشر كتلة الجسم. غير أن هذا المقياس الشائع بات اليوم محط شكوك واسعة، إذ تشير المعطيات الحديثة إلى أنه تسبب في تضليل ملايين البشر حول حقيقة أوزانهم، واضعاً إياهم في خانات غير صحيحة تتأرجح بين النحافة المفرطة أو البدانة المرضية دون وجه حق.

تكمن العلة الأساسية في هذه الحسبة، التي تعتمد ببساطة على قسمة وزن الفرد على مربع طوله، في تجريدها للجسد البشري من تفاصيله التشريحية. فهي تقف عاجزة عن التفرقة بين الكتل العضلية وتراكمات الشحوم، ونتيجة لذلك، قد يجد الرياضيون ذوو البنية القوية أنفسهم مصنفين طبياً في دائرة الخطر، بينما قد يحصل أشخاص يمتلكون نسباً عالية ومضرة من الدهون على تقييم مثالي زائف. تاريخياً، وُضعت أرقام محددة لهذا المؤشر؛ فما دون الثمانية عشر والنصف يُعد هزالاً، وما يصل إلى الخمسة والعشرين يُعتبر مثالياً، لتبدأ بعدها مراحل الكيلوجرامات الزائدة حتى عتبة الثلاثين التي تنذر بالسمنة، إلا أن هذه الأرقام فقدت الكثير من دقتها المزعومة.

وفي مسعى لكشف هذه التناقضات، أخذ فريق بحثي من إيطاليا على عاتقه فحص أكثر من ألف وثلاثمئة متطوع من مختلف الفئات العمرية التي تمتد من بداية الشباب وحتى خريف العمر. اعتمدت التجربة على مقارنة الأرقام التقليدية للمؤشر مع تقنيات المسح الإشعاعي المتقدمة القادرة على قراءة تكوين الجسد وتوزيع الدهون بدقة متناهية. وقد جاءت المخرجات لتنسف القناعات السابقة؛ فقد تبين أن شريحة ضخمة تجاوزت ثلث من وُصموا بالسمنة لم يكونوا سوى أشخاص يعانون من زيادة طفيفة لا ترقى للبدانة. والأكثر إثارة للدهشة أن غالبية من قيل لهم إنهم يتجاوزون الوزن الطبيعي كانوا في الواقع يتمتعون بأجساد صحية، في حين أن نسبة كبيرة ممن صُنفوا في خانة الوزن المثالي أو النحافة، كانت تقييماتهم مجافية للواقع السريري.

تبرز خطورة هذا التصنيف العشوائي عند النظر إلى الإحصائيات الحالية التي تدعي أن ما يقارب ثلثي البالغين يعانون من تبعات الوزن الزائد بناءً على هذا المؤشر القاصر وحده. ورغم أن التراكم الفعلي للدهون يمثل تهديداً حقيقياً لا يمكن إنكاره، كونه يمهد الطريق لمجموعة من الأمراض المستعصية كاضطرابات القلب، والنوع الثاني من داء السكري، واعتلالات الجهاز التنفسي، وتضرر وظائف الكبد والكليتين، إلا أن ربط هذه المخاطر برقم حسابي غير دقيق قد يوجه الرعاية الصحية في مسارات غير فعالة.

وأمام هذا القصور الواضح، تتجه أنظار المتخصصين اليوم نحو تبني أدوات قياس أكثر شمولية وموثوقية لتقييم الحالة البدنية. من بين هذه البدائل الواعدة تتبع أماكن تركز الشحوم، وقياس محيط الخصر ومقارنته بالطول، فضلاً عن حساب سماكة الطيات الجلدية لمعرفة النسب الحقيقية للدهون. وتخلص التوصيات الطبية الحديثة إلى ضرورة التخلي عن النظرة الأحادية لمؤشر الكتلة، ودمجه مع فحوصات سريرية أخرى ترسم صورة متكاملة، لضمان حماية أجهزة الجسم الحيوية وتعزيز كفاءة عمليات التمثيل الغذائي بعيداً عن وهم الأرقام الخادعة.