في عالم الساحرة المستديرة، لا يُقاس الانتماء دائمًا بالبقاء بين جدران نادٍ واحد طوال العمر، بل يكمن الإبداع أحيانًا في الترحال المستمر بين الملاعب المختلفة. هناك نجوم وهبوا مهاراتهم لعدة أندية، فصنعوا الأمجاد أينما حطت أقدامهم، ونقلوا سحرهم وخبراتهم من قلعة رياضية إلى أخرى، ليجسدوا المعنى الحقيقي للاعب المتجول الذي ينثر إبداعه في كل بقعة تطؤها قدماه، تاركًا أثرًا لا يُمحى في قلوب المشجعين.
ومن أبرز الأسماء التي حلقت في سماء الكرة المصرية بهذا الأسلوب الفريد، يبرز اسم النجم الموهوب مؤمن زكريا، الذي لم تكن مسيرته عادية، بل شكلت ملحمة كروية متكاملة. انطلقت شرارة موهبته الأولى من معقل قطاع الناشئين بالقلعة الحمراء مطلع الألفية الجديدة، وتحديدًا في عام ألفين وأربعة. غير أن طموحه قاده لفتح آفاق جديدة خارج أسوار ناديه الأول، فبدأ رحلة إثبات الذات مع فريق الإنتاج الحربي محرزًا أربعة أهداف خلال ست وثلاثين مواجهة، ليمضي بعدها في طريق شمل محطة مهمة مع النادي المصري البورسعيدي، وصولًا إلى فريق إنبي الذي شهد توهجه اللافت وانفجار موهبته التهديفية خلال موسم ألفين واثني عشر.
ولم تتوقف محطات التألق عند هذا الحد، فقد عرفت خطواته الطريق نحو القلعة البيضاء عبر إعارة مثمرة بدأت عام ألفين وثلاثة عشر. هناك، نقش اسمه بحروف من ذهب مساهمًا بفاعلية في قنص ثلاث بطولات غالية لصالح نادي الزمالك، شملت التتويج بدرع الدوري بالإضافة إلى لقبين في بطولة الكأس المحققة، وذلك بعد خوضه لسبع وخمسين مواجهة زار فيها الشباك اثنتي عشرة مرة. لكن العودة إلى الجذور كانت محطة فارقة ومختلفة كليًا، حيث سطر مع الفريق الأول للنادي الأهلي تاريخًا استثنائيًا. فقد عانق منصات التتويج في ثماني مناسبات مختلفة، تنوعت بين أربعة ألقاب للدوري الممتار، وبطولة كأس، ونسختين من السوبر المحلي، إلى جانب إنجاز قاري ممثل في كأس الكونفدرالية الأفريقية، وذلك كمحصلة لمجهود جبار امتد لمائة وخمسين لقاءً، توجها باثنين وأربعين هدفًا حاسمًا.
ولم يقتصر إبداع النجم الموهوب على الحدود المحلية، بل حمل حقائبه صوب الملاعب السعودية ليخوض تجربة احترافية قصيرة ومؤثرة مع فريق أهلي جدة، تاركًا بصمة بخمسة أهداف في أربع عشرة مشاركة، فضلًا عن نيله شرف ارتداء قميص المنتخب الوطني المصري في اثنتي عشرة مباراة دولية. ورغم هذا المسار الرياضي الحافل بالألقاب والانتصارات، شاءت الأقدار أن يواجه اختبارًا قاسيًا خارج الخطوط إثر إصابته بمرض عصبي نادر أبعده قسرًا عن معشوقته كرة القدم. هذا التحدي الصحي الصعب كشف عن مدى تغلغل حبه في قلوب الجماهير بمختلف انتماءاتها، لتتحول قصته من مجرد أرقام وإحصائيات رياضية إلى أيقونة إنسانية خالدة تجسد أسمى معاني الوفاء والتلاحم في المشهد الرياضي المصري.
التعليقات