مع نفحات الشهر الكريم، يحلو لنا أن نقلب في دفاتر الماضي لنستحضر ذكريات لا تُنسى شكلت جزءاً أصيلاً من الهوية المصرية وكتبت فصولاً من المجد في تاريخ القارة السمراء، فمسيرة المنتخب الوطني ليست مجرد مباريات عابرة، بل هي سلسلة من الملاحم التي تضافرت فيها الإرادة الحديدية مع الموهبة الفذة لتخلق لحظات من الفرح الخالص في أحلك الأوقات. وعبر الأيام القادمة، سنغوص معاً في رحلة يومية لاستكشاف محطات مضيئة من إرث “الفراعنة”، نسرد فيها قصصاً لبطولات بدت بعيدة المنال، ومواقف لمدربين غيروا المفاهيم بخططهم وعزيمتهم، ولحظات درامية قلبت التوقعات وأسالت دموع الفرح في عيون الملايين، لنستخلص من تلك التجارب معاني الصبر والإصرار التي تتناغم مع روحانيات هذا الشهر.
ومن بين تلك الصفحات الخالدة، تبرز مشاركة الجيل الذهبي في كأس القارات لعام 2009 بجنوب أفريقيا، تلك البطولة التي لم يذهب إليها المصريون للمشاركة الشرفية، بل لتقديم درس كروي في الكبرياء والتحدي، وتحديداً في تلك الموقعة الشهيرة أمام عمالقة البرازيل، حيث تحولت المباراة من مواجهة عادية إلى ملحمة كروية حبست أنفاس العالم. بدأت القصة بصدمة مبكرة وهدف مباغت من النجم “كاكا”، إلا أن الرد المصري جاء فنياً وراقياً بأقدام محمد زيدان ولمسات الساحر محمد أبو تريكة، ليثبتوا أن المهارة المصرية لا تقل شأناً عن سحر السامبا، ورغم أن الشوط الأول انتهى بتأخر الفراعنة بثلاثة أهداف لهدف، إلا أن ما حدث في الاستراحة كان نقطة التحول الحقيقية.
في غرف الملابس، لم يستسلم “المعلم” حسن شحاتة لواقع النتيجة، بل واجه لاعبيه بحقيقة أنهم الأجدر والأفضل داخل المستطيل الأخضر، ليتحول هذا الشحن المعنوي إلى طاقة جبارة مع بداية الشوط الثاني، فقد نزل اللاعبون إلى الميدان بروح مختلفة تماماً، ونجحوا في إدراك التعادل عبر قذيفة محمد شوقي وهدف رائع آخر لزيدان، وكاد المنتخب المصري أن يخرج بنقطة ثمينة لولا ركلة الجزاء القاتلة التي احتُسبت في اللحظات الأخيرة ومنحت الفوز للبرازيل، ورغم الخسارة الرقمية، إلا أن المنتخب خرج منتصراً باحترام العالم أجمع.
وقد خاضت الكتيبة المصرية هذه المعركة التاريخية بتشكيلة ضمت نخبة من المحاربين، يتقدمهم الحارس الأسطوري عصام الحضري، وأمامه صخرة الدفاع وائل جمعة وهاني سعيد وأحمد سعيد أوكا، وعلى الأطراف انطلق أحمد فتحي وسيد معوض، وفي وسط الميدان تألق حسني عبد ربه الذي عوضه لاحقاً أحمد المحمدي، إلى جانب القائد أحمد حسن الذي شارك مكانه أحمد عيد عبد الملك، ومحمد شوقي، بينما قاد الهجوم الثنائي المبدع محمد أبو تريكة ومحمد زيدان، ليسطروا جميعاً ذكرى ستظل محفورة في وجدان كل عاشق للكرة المصرية.
التعليقات