تناول الكاتب عقل العقل في طرحه الصحفي بجريدة «عكاظ» مشهداً أثار الجدل مؤخراً، يتعلق بمبادرة فردية قام بها أحد الأشخاص داخل عربات قطار الرياض، حيث حول المقصورة إلى ساحة للمسابقات وتوزيع الجوائز الرمزية ذات الطابع الديني. وانطلق الكاتب من هذه الواقعة ليؤكد أن وسائل النقل الحديثة، وعلى رأسها شبكات المترو، تتجاوز كونها مجرد وسيلة للمواصلات؛ فهي في العواصم المتقدمة تمثل فضاءً حضارياً يعكس ثقافة المجتمع، وغالباً ما تتزين بالفنون البصرية أو الموسيقية الهادئة التي تحترم الذوق العام وتعزز من جمالية المكان.

وينقلنا المقال إلى بُعد آخر يتعلق بطبيعة الحياة الاجتماعية داخل هذه المنظومة، إذ أن الانتقال من عزلة السيارات الخاصة إلى رحابة النقل العام يكسر الحواجز بين الناس ويعزز من التلاقي الإنساني اليومي. وفي ظل هذا الاحتكاك المباشر، يلجأ الكثير من الركاب إلى استثمار وقت الرحلة في القراءة، أو إنجاز الأعمال عبر الحواسيب والهواتف، أو حتى الاستمتاع بمحتوى سمعي خاص؛ مما يفرض ضرورة قصوى لاحترام الخصوصية والهدوء، وعدم فرض أي نشاط صوتي أو تطفلي قد يسبب إزعاجاً للآخرين، وهو دور يقع على عاتق الجهات المشغلة لضبطه بصرامة.

وفيما يخص الحماس والعاطفة التي قد يبديها البعض تجاه مثل هذه التصرفات الفردية بدوافع دينية، يشدد الطرح على أن المعيار الحقيقي يجب أن يكون القانون والنظام، لا الاجتهادات الشخصية مهما كانت نوايا أصحابها نقيّة. ويشير إلى أن التجارب السابقة علمتنا الحذر من الأنشطة غير المقننة، مثل جمع التبرعات العشوائية التي قد تنحرف عن مسارها وتنتهي بنتائج غير محمودة، مؤكداً أن الدولة تتبنى منهجاً وسطياً وحضارياً في نشر القيم الإسلامية عبر مؤسساتها الرسمية والهيئات المتخصصة، مما يغني عن مثل هذه الممارسات الارتجالية في الأماكن العامة.

ويختتم الكاتب وجهة نظره بدعوة للتفكير المنطقي المجرد من العاطفة، مشيراً إلى أن القبول بتصرف الشخص الذي يوزع «المساويك» ويقيم المسابقات بحجة حسن النية، يضعنا أمام تساؤل جوهري حول المبدأ ذاته وازدواجية المعايير: فهل كنا سنتقبل هذا السلوك ونرحب به لو كان صادراً عن مبشر يدعو لديانة أخرى؟ إن الإجابة على هذا السؤال توضح أهمية أن تظل المرافق العامة محايدة ومنظمة وفق اللوائح الرسمية فقط بعيداً عن الفوضى.