مع إيقاع الحياة الحديثة الذي لا يهدأ، تجد الكثير من الإناث أنفسهن غارقات في دوامة لا تنتهي من الالتزامات والمهام. ومن رحم هذه المعاناة اليومية، برز مفهوم عميق يصف حالة واقعية تعيشها الكثيرات، يُعرف بحالة الإرهاق الأنثوي الشامل. وتؤكد الخبيرة في الصحة النفسية هبة شمندي أن هذا المسمى ليس مجرد نزوة عابرة، بل يعبر عن تراكمات ثقيلة من الضغوط الاجتماعية والنفسية، حيث تستنزف المرأة طاقتها بشكل كامل في محاولة تلبية تطلعات من حولها دون أن تلقى السند الكافي الذي يعيد لها توازنها.
تتجسد هذه المعاناة في الاستنزاف الوجداني والفكري الذي يطارد من تلعب أدواراً متشابكة في آن واحد. فالنساء اليوم يركضن في مضمار لا نقطة نهاية له، يجمعن فيه بين أعباء التربية، وإدارة شؤون المنزل، ومسؤوليات العمل المهني، وربما إعالة الأسرة بالكامل. وما يزيد الطين بلة هو تلك الصورة النمطية القاسية التي يفرضها المجتمع، والتي تتطلب منهن أداءً خالياً من العيوب في كل زاوية من زوايا حياتهن. ومع تحول هذه الجهود الجبارة والتضحيات المستمرة إلى مجرد التزامات بديهية في نظر الآخرين لا تستوجب الامتنان، ينمو بداخل المرأة إحساس مرير بالتهميش وغياب العرفان.
وفي خضم هذه الفوضى، تلجأ بعض النساء إلى كتمان أوجاعهن ومواصلة المسير خشية التعرض للانتقاد أو وصمات الفشل، فتتحول أعماقهن إلى قنبلة موقوتة من المشاعر المكبوتة. ويتفاقم هذا الصراع الداخلي مع فخ المقارنات الذي تنصبه المنصات الرقمية، حيث تُعرض حيوات مزيفة ومثالية تدفع المرأة للشعور بالنقص أو التقصير. تطفو نتيجة هذه التراكمات على السطح في هيئة تعب مزمن لا يزول حتى مع فترات النوم، وتقلبات عاطفية حادة، وانطفاء لشرارة الشغف، إلى جانب ميل للغضب السريع والإحساس المتنامي بالفراغ. ورغم غياب هذا المسمى عن قواميس الطب النفسي الرسمية كمرض مستقل، إلا أن الاستهانة بتلك المؤشرات قد تفتح الباب أمام أزمات أعمق تفتك بالصحة العقلية.
وللخروج من هذه الدائرة المفرغة، بات من الضروري أن تغير المرأة نظرتها لنفسها ولما يحيط بها. يبدأ طوق النجاة من نقطة التصالح مع الذات والإقرار بحقها الإنساني في الشعور بالضعف والتعب، فليس لزاماً عليها ارتداء قناع القوة في كل الأوقات. ومن الأهمية بمكان أن تتخلى عن عباءة البطلة الخارقة التي تتحمل كل شيء وحدها، وأن تشرك شريك حياتها ومحيطها في تحمل الأعباء بوضوح. كما يشكل اقتطاع مساحة زمنية، مهما كانت قصيرة يومياً، للاختلاء بالذات واستعادة الأنفاس خطوة حيوية لترميم الروح، إلى جانب ضرورة التنفيس عن المكنونات الداخلية بالفضفضة لمن تثق بهم، مع ضرورة الانسلاخ التام عن وهم المثاليات الزائفة التي تروج لها وسائل التواصل.
في النهاية، يجب أن تدرك كل من تكابد هذه الضغوط أن معاناتها ليست حالة فردية، بل هي صدى لأوجاع تشاركها فيها الملايين من نظيراتها. إن الصلابة الحقيقية لا تكمن في الصمود الزائف وسط العواصف وابتلاع الآلام في صمت وتجاهل نداءات الجسد والروح، بل تتجلى في شجاعة التوقف لالتقاط الأنفاس، والاعتراف بالحدود البشرية، ومد اليد لطلب العون والمشاركة متى لزم الأمر.
التعليقات