لا تقتصر حكايات كرة القدم على ما تقدمه أقدام اللاعبين من مهارات فنية داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل تمتد لتشمل ما تصنعه الجماهير في المدرجات من أساطير وألقاب تلتصق بالنجوم، لتصبح بمرور الوقت أكثر خلودًا من نتائج المباريات ذاتها. وفي سجلات الكرة المصرية، تزخر الذاكرة بالعديد من هذه الألقاب التي نبعت من مواقف لا تُنسى، وتوارثتها الأجيال العاشقة للعبة، لنستعيد معًا ذكريات أحد أبرز هذه الأسماء وما يحمله لقبه من دلالات.
يبرز اسم محمد بركات كواحد من ألمع النجوم الذين استحقوا لقب “الزئبقي” عن جدارة، وهو اللقب الذي يعكس قدرته الفائقة على المراوغة والتحرك الانسيابي الذي يصعب إيقافه. انطلقت مسيرة هذا النجم من قطاع الناشئين بنادي السكة الحديد، قبل أن يسطع نجمه بقوة في قلعة الدراويش، حيث قاد النادي الإسماعيلي لتحقيق لقب الدوري في موسم استثنائي، ليحجز مكانه كأحد أعمدة الجيل الذهبي للكرة المصرية في مطلع الألفية، مجاورًا أسماء رنانة صنعت مجد الفراعنة.
شهدت مسيرة “الزئبقي” محطات احترافية عربية، تنقل خلالها بين العربي القطري وأهلي جدة السعودي، قبل أن تحين لحظة التحول الكبرى في مسيرته بالعودة إلى مصر عبر بوابة النادي الأهلي عام 2004، بناءً على رؤية الثعلب البرتغالي مانويل جوزيه. قوبلت هذه الصفقة في بدايتها بحملة تشكيك واسعة، حيث أطلقت بعض الأصوات لقب “التروماي” على بركات، زاعمين أنه عاد من الخليج مكتفيًا ماديًا وقد نال منه التقدم في العمر، وأنه لن يقدم الإضافة المرجوة للفريق الأحمر.
جاء رد بركات قاسيًا وحاسمًا، ليس عبر التصريحات، بل من خلال أداء أسطوري في الملعب؛ إذ قاد الأهلي لحقبة تاريخية امتدت لقرابة عقد من الزمان، حصد خلالها الأخضر واليابس. توج الفريق بوجوده بسبعة ألقاب للدوري، وسيطر على القارة السمراء بأربعة ألقاب لدوري أبطال أفريقيا ومثلها للسوبر الأفريقي، ليثبت خطأ كل من شكك في قدراته، ويؤكد أنه صفقة من العيار الثقيل أعادت كتابة تاريخ القلعة الحمراء.
ولم يتوقف إبداع بركات عند الحدود المحلية، بل امتد ليشمل الساحة القارية والدولية، حيث كان عنصرًا حاسمًا في تتويج منتخب مصر بكأس الأمم الأفريقية 2006. وتكليلًا لجهوده، نال اعترافًا عالميًا بحصوله على جائزة أفضل لاعب في أفريقيا من هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 2005، بالإضافة إلى اختياره كأفضل لاعب داخل القارة في العام ذاته، ليحفر اسمه بحروف من ذهب في سجلات الكرة الأفريقية.
وفي ختام رحلته الطويلة، اتخذ بركات قرارًا شجاعًا بتعليق حذائه واعتزال اللعب الدولي عقب تعثر وصول المنتخب لنهائيات كأس العالم 2010. ورغم المحاولات المستميتة من الأجهزة الفنية المتعاقبة لإثنائه عن قراره وإعادته لتمثيل المنتخب، تمسك النجم صاحب القميص رقم 8 مع ناديه و12 مع بلاده بموقفه، تاركًا خلفه إرثًا كرويًا لا يُنسى وسيرة عطرة للاعب كان كالزئبق، يستحيل الإمساك به أو توقع تحركاته.
التعليقات