تحفل الذاكرة الرياضية المصرية بالعديد من التحولات المفاجئة للاعبين خالفوا كل التوقعات، تاركين وراءهم حالة من الذهول والجدل الواسع بين الجماهير. ومن بين تلك القصص الاستثنائية تبرز مسيرة نجم هجومي فذ تمتع بمهارة فائقة، إلا أن قراره بتغيير مساره الكروي أحدث زلزالاً في الأوساط الرياضية. نتحدث هنا عن محمد عبد الجليل، الذي يمثل أحد أبرز المواهب التي عرفتها الملاعب، والذي تحولت حكايته بين قطبي الكرة في مصر إلى واحدة من أشد الحكايات إثارة للاهتمام والغرابة.
بدأت شرارة الشغف لدى هذا اللاعب، المولود في مطلع أكتوبر من عام 1968، منذ طفولته المبكرة حين تجاوز اختبارات القبول في سن الثانية عشرة وسط حضور جماهيري مهيب. ومع حلول موسم 1987-1988، التقط المدرب أنور سلامة موهبته ليمنحه فرصة الصعود إلى الفريق الأول، حيث قضى ثمانية أعوام سطر خلالها تاريخاً لامعاً. تألق عبد الجليل كلاعب استثنائي يمتلك حلولاً مهارية نادرة، مكوناً شراكة هجومية مرعبة مع زملائه عادل عبد الرحمن وعمرو أنور. وقد تُرجم هذا التألق إلى أرقام مبهرة، إذ زار الشباك في ثمانٍ وعشرين مناسبة خلال ما يناهز مائة وأربعاً وأربعين مشاركة، مساهماً في حصد خزانة من الألقاب تضمنت التتويج بدرع الدوري المحلي ثلاث مرات، واقتناص كأس مصر في أربع نسخ، فضلاً عن لقب قاري، وهدف حاسم توج فريقه بكأس الاتحاد على حساب النادي المصري. وطوال تلك الحقبة الذهبية، ظل يعتز بمزاملة أسماء لامعة أمثال محمد يوسف وياسر ريان اللذين اعتبرهما من أفضل من جاورهم في الملعب.
على الرغم من هذا السجل الحافل، شهدت مسيرته تراجعاً ملحوظاً في مستوى التركيز والتشتت الذهني، مما دفع الإدارة الحمراء لاتخاذ قرار بإنهاء مسيرته معهم. شكّل هذا الاستغناء صدمة نفسية قاسية للاعب الذي ترعرع بين جدران النادي منذ نعومة أظافره، لكنه سرعان ما بحث عن طوق نجاة يعيد له اعتباره. وفي خطوة جريئة قلبت الموازين، قرر الانتقال إلى المعسكر المنافس وارتداء القميص الأبيض، وهو القرار الذي اعتبره بمثابة وسام شرف ومحطة بالغة الأهمية ساعدته على استعادة توازنه وتجاوز أزمته المعنوية بنجاح.
غير أن مغامرته الجديدة التي انطلقت في منتصف التسعينيات لم تدم طويلاً، حيث استمرت لموسمين فقط وشهدت نهايتها أحداثاً درامية صاخبة. فبالرغم من اعتزازه الكبير بتلك التجربة وما أضافته لمسيرته، إلا أنها تُذكر دائماً بصدام معلن وقع بينه وبين المدير الفني آنذاك أحمد رفعت. فقد عبر اللاعب عن غضبه العارم إثر قرار استبداله في إحدى المواجهات، ليقوم بنزع قميصه أمام الجميع في لقطة تمرد علنية، كانت بمثابة نقطة اللاعودة ونهاية سريعة لمشواره مع فريقه الجديد، لتُطوى بذلك صفحة أحد أكثر اللاعبين موهبة وإثارة للجدل في تاريخ المنافسات المحلية.
التعليقات